أن تقول لا في الزمن الامريكي؟

بقلم: بكر أبوبكر

في الزمن ما قبل الأمريكي كان القول لا للأمريكي الامبريالي كثير التداول وغير مستقبح حتى أن المهرجانات الشبابية الطلابية التي كان يقيمها اتحاد الطلاب العالمي كانت تحتوي على فعالية اسمها محاكمة الامبريالية يتم فيها محاكمة الامبريالية الامريكية والحكم عليها بالاعدام! وظل هذا التقليد قائما حتى ذهب الاتحاد السوفيتي وسقطت الكتلة الشرقية عام 1991 وحتى ذهب اتحاد الطلاب العالمي ومعه أيضا الاتحاد العام لطلبة فلسطين.

في فترة صراع الرأسين أو المعسكرين (الشرقي والغربي) كان من الممكن أن تكون مناهضا لأمريكا بقو، وتلقى الرعاية والدعم والعناية والاحتضان فأنت مع الرفاق السوفييت وأنت تقدمي.

وأن تكون مع المحور أو الكتلة الغربية التي ترأسها أمريكا فأنت امريكي (كانت سُبة وعار) وأنت رأسمالي (كانت سبّة وعار) وامبريالي، وكل الأنظمة التي تدور في فلك امريكا فهي رجعية او تمثل البرجوازية الصغيرة، كما كان يقول الثوار وخاصة اليساريين منهم.

في تلك الفترة كان العالم منقسما ما بين شرق (تقدمي) وغرب (رجعي)، ما بين الثورية مقابل الاستعمار ما بين الاشتراكية مقابل الرأسمالية. (الطرفان اعترفوا ب”إسرائيل” منذ التقسيم).

وكان مع انهيار حائط برلين، وأعمال صاحب “البريسترويكا” أي (إصلاحات) غورباتشوف الروسي السوفيتي أن مهد الامر للانهيار الذي تم، فانكشف ظهرنا للمرة الثانية والاخيرة بعد الانكشاف الاول مع خروج مصر من محور الصمود والتصدي والحرب العسكرية.

في الزمن ما قبل الأمريكي كان العداء للامتداد الاستعماري سواء الرأسمالي الاقتصادي الغربي والامريكي يمثل قيما حقيقية في التصدي لمفاهيم الرأسمالية الاستهلاكية الاستتباعية السائدة اليوم.

حينها اتخذت حركة فتح موقفها المتميز آنذاك في الوسطية والاعتدال، ومد الخيوط ما مكنها أن تخوض حربها وتستمر ترفع رأسها فوق الماء ما بين المحورين، وتلقى في ذاتالوقت الشتم والاتهام من هذا المحور وذاك.

مع المحور السوفيتي سقط الأتباع، رغم كثير أفكار تستحق الاستعادة اليوم خاصة ما ارتبط منها في مواجهة الشر الرأسمالي الاستعماري الاستتباعي الإذلالي.

اليوم نقف نحن الفلسطينيون عراة من الأردية الدافئة، فنحن عراة من الرداء العربي منذ سقط عن كتفينا مع وفاة الراحل جمال عبدالناصر، ومنذ تم التوقيع على اتفاقية كامب ديفد عام 1979 ومنذ ارتبطت الامة بخيارها البائس مع الامريكي بمعنى الانسحاق تحت الاقدام.

تساوق الفلسطينيون (وفي الثورة الفلسطينية) تحت الضغوط الهائلة مع معطيات الزمن الامريكي المتوحش (فترات التوحش الجديد عام 1991 ثم عام 2000 ثم عام 2020) ، فدخلوا في لعبة المفاوضات والتسوية لعل وعسى أن يستطيعون استعادة ما كان.

فكانت مدريد(1991) وواشنطن، وأوسلو(1993-1995م) وصولا لكامب ديفد الثانية، وطابا(2001) فترة الانتفاضة الثانية….الخ، وظهور الخداع والكذب والنفاق الاسرائيلي والامريكي والوحشية بأجلى صوره التي عمدت بقتل ياسر عرفات واخوانه.

التجربة أثبتت أن الرأسمالية الامبريالية، والاستعمارية الصهيونية لا تقبل أنصاف الحلول ولا تعرف للحق أو العدل أو الرحمة معنى، فالمنتصر بالقوة و بالوعي الاستعماري الغربي يأخذ كل شيء، وهذا ما كان من الساسة الاسرائيليين وصولا للوحش الامبريالي الجديد “ترامب” الذي لا يفقه أبعد من أنفه سياسيا، لكنه بالمقابل يفهم أن تُحركه أوهامه وأساطيره الانجليلية الصهيونية، ويفهم أن لا فلسطين مطلقا! كما قال بفجاجة الجاهل، وأن إسرائيله باقية؟ وهو قطعا واهم، فمن لا يفقه التاريخ سيقع على أم رأسه، وينتصر الشعب.

في الزمن ما قبل الامريكي أن تقول لا فأنت تصطف مع طرف -الى جانب طرف آخر- يحتضنك، ولكن في الزمن الامريكي الحالي لا أحضان أخرى!؟

فأن تتخذ موقفا ضد الوحش الامريكي فأنت تعاند (حركة التاريخ)! وأنت تعاكس حقيقة الأمور فترى من يحيطون بك من الشمال واليمين من يدفعونك للاستسلام النهائي! كما الحال مع ورقة ترامب البالية فهم لم يطلعوا ولو بلمحة سريعة على الغلاف ل”رؤية ترامب للازدهار” تلك الرؤية التي ترى الازدهار بين (الفلسطينييين) وبين (الشعب اليهودي) أي أنه منذ الغلاف ترى الكفروالاحتقاروالانحياز الأعمى بعينيك (الفلسطينيون مقابل “الشعب” اليهودي؟!) فكيف لو قرأوا التفاصيل! وما هم بفاعلين؟

نختلف مع عدد من سياسات الرئيس أبومازن في السياقات التكتيكية، وفي بعض الامور الادارية والسياسية الاخرى، والبعض يختلف معه في ذات المسار السلمي حتى في المقاومة الشعبية، ولكن ثبات الرجل على الحق وقوته أصيلة لا يشكك بها الا المرجفون الذين يتخذون موقفا مسبقا معاديا من الرجل سواء أصاب او اخطأ.

إن قسوة رفض أبومازن -كما يراها المستسلمون- تثير العجب والغيرة والحسد في ذات الوقت، وهو بصلابته التاريخية هذه يقول لا كبيرة جدا -بحجم السماء الزرقاء سماء فلسطين- في الزمن الامريكي!

أن تقول لا وألف لا في الزمن الامريكي كما فعل أبومازن بعزة نفس وكرامة وعنفوان، وكما فعل قبله ياسر عرفات حين تحصن بالمقاطعة في رام الله، فأنت تكتب وصيتك بيديك، كما قال له الممثل الاسرائيلي الفاشل في أمريكا، ولن تجد من أمة التخاذل والانبطاح والتحلل من عروبة فلسطين وأولويتها لن تجد منهم من يقرأ على قبورنا الفاتحة.

شاهد أيضاً

التكليف لا يعني التشكيل

بقلم: عمر حلمي الغول بعد فشل خيار تشكيل حكومة طوارئ نتيجة تضارب المواقف المتباينة بين …

اترك تعليقاً

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!