فلسطين في المبادرات الدولية.. كيف نصل إلى المقدمة؟

بقلم: عبير البرغوثي

تتسابق الدول ومن خلال مؤسساتها الرسمية والخاصة الأهلية كافة، وحتى من خلال جهود مواطنيها إلى الارتقاء بموقعها على الخارطة الدولية، حيث شهدت السنوات الأخيرة اتساعًا وانتشارًا للعديد من المبادرات الدولية سواء في مجال الأداء الاقتصادي والتنموي، أو في مجال الأمن والسلامة المجتمعية وأمن المدن، أو في مواضيع التنافسية والتميز الحكومي والابتكار وغيرها، مبادرات شكلت نطاقًا جديدًا لترتيب وتصنيف الدول، معلومات ومعطيات جديدة لتقديم صور الدول أمام باقي العالم من مختلف النواحي، وبات لهذه المبادرات مؤتمرات وصدى وتأثير كبير على تنافسية الدول وسياحيتها وقدرتها على استقطاب الاستثمارات والزوار وتحسين صورها النمطية، ومن أهمها مبادرات ومؤشرات التنافسية التي تعد من أهم العناوين لقياس مدنية الدول ومستوى جودة خدماتها للمتعاملين كافة.
ولعل مؤشر التنافسية العالمي يشكل واحدًا من أهم المبادرات التي تحظى باهتمام دولي واسع، كونه يغطي نحو 141 دولة حسب عدده لعام 2019، ويرتكز تقرير التنافسية العالمي على اثني عشر عمودًا (محورًا) لقياس مجالات التنافسية في حياة الدول، وتشمل هذه المحاور: الأداء المؤسسي (المؤسسات)، البنية التحتية، البيئة الماكرو اقتصادية، الصحة والتعليم الأساسي، التعليم العالي والتدريب، فاعلية سوق السلع، جدوى سوق اليد العاملة، تطور سوق المال، الجاهزية التكنولوجية، حجم السوق، تطور الأعمال، التجديد، مع الأخذ بعين الاعتبار الترابط والتناغم والتكامل بين هذه المحاور والمكونات.
وبالنظر لمكونات كل محور من هذه المحاور فإنه يمثل تقييمًا للواقع وابرازًا لنقاط القوة والضعف ومن ثم ترجمتها إلى نقاط ضمن مؤشر قياسي عالمي، وعلى ضوئه يتم ترتيب الدول، والموضوع هنا ليس دفاعاً أو تقليلاً من أهمية هذا المؤشر العالمي، بقدر ما هو مجال وساحة مهمة للاستفادة من تجارب الدول التي كانت في مواقع متأخرة وتقدمت على مستوى الترتيب العالمي من خلال استراتيجيات وبرامج عمل لمعالجة نقاط الضعف وتعزيز نقاط التفوق من عام إلى عام، والعملية هنا لا تتم بمجرد الضغط على نقطة التشغيل، بل هي برامج وطنية تتكامل فيها جهود الشركاء كافة في إطار رؤية وسياسة حكومية تنظم الأداء وترتقي به نحو التميز والجودة والتنافسية.
النقطة المهمة في سياق تناول تقرير التنافسية العالمية لعام 2019 يظهر أن اسم فلسطين ليس ضمن قائمة الـ 141 دولة التي شملها التقرير، وهذا يطرح عددًا من التساؤلات وأهمها لماذا فلسطين غير مدرجة بغض النظر عن الترتيب والموقع ضمن المؤشر الدولي؟
تساؤل يفتح المجال لتبادل العديد من الأفكار عن عدم المشاركة وأهميتها وإدراج فلسطين ضمن هذه المساحة من المقارنات الدولية، مساحة قد تكشف لنا العديد من الأسباب خلف هذا الواقع من عدم الحضور والتواجد، سواء لأسباب تتعلق بسياسة القائمين على المنتدى وبناء المؤشر واشتراطاتهم التي قد تضعنا خارج نطاق التقرير مهما كانت الاعتبارات، أو لأسباب فنية تتعلق بعدم توفر البيانات اللازمة لتمثيل فلسطين ضمن مؤشرات التنافسية العالمية، وهذه مسألة تقع ضمن مسؤولية الجهات الرسمية الفلسطينية المسؤولة عن البيانات الرسمية، للمراجعة والمتابعة واتخاذ الاجراءات في إطار السياسة الوطنية التي تنظم موقفنا من هذا الموضوع.
نحن في فلسطين في أمس الحاجة لاستثمار كل فرصة من شأنها تعزيز خطواتنا لتجسيد فلسطين كدولة في المحافل الدولية كافة، وهذه واحدة من الثمار المباشرة لقيام كل جهة وطنية بحصر المبادرات الدولية ذات العلاقة بعملها ووضع خطة قطاعية للاستفادة من هذه المبادرة في مختلف المجالات الصحية، التعليم، البيئة، السياحة.. وغيرها، ومن ثم وضع مؤشرات أداء لقياس التقدم وتقييم الأداء المتحقق من متابعة تنفيذ الخطط القطاعية لتحسين حضور وترتيب فلسطين ضمن هذه المبادرة وتلك، ووجود مثل هذا الجهد المؤسسي سيمكننا من النهوض بأداء قطاعاتنا المختلفة وتنشيط دور مؤسساتنا الرسمية والحكومية والقطاع الخاص، وتعزيز وتوثيق أطر التعاون لتحقيق هدف مشترك يكون عائده على الجميع، وتخلق مساحة كبيرة للتنافس الايجابي الداخلي، وبناء روافد مهمة للتميز المؤسسي على مستوى القطاعات والمؤسسات والأفراد في سياق تحسين ترتيب حضور فلسطين في مقدمة المؤشرات التنافسية وغيرها.
الفلسطينيون يمتلكون خبرات وتجارب رائعة ويشهد لها على المستويين الاقليمي والدولي في تنظيم وقيادة جهود العديد من الدول في المنطقة للوصول إلى مستويات متقدمة على صعيد الترتيب العالمي، وخبرات واسعة مع مؤسسات التقييم وبناء نماذج التميز والاداء المؤسسي التي استفادت منها العديد من الحكومات والدول في منطقتنا، وقد آن الأوان أن نعمل جميعًا من أجل فلسطين أيضًا، فهذا الوطن يستحق منا التعاون واستثمار المبادرات، فحضور اسم فلسطين وتقدم ترتيبها مهما كانت النتائج هو فخر لنا جميعًا، وأثبتت تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال أن الوصول للقمة لا يأتي بالصدفة ولا يتم بين عشية وضحاها، بل من خلال عملية تغيير مستمرة وهو نتاج عمل جماعي تشاركي مخطط له ومدروس وبقيادة واعية لذلك.
الفكرة من تناول ترتيبنا في تقرير التنافسية العالمية تنطبق على مبادرات دولية متعددة في ميادين أخرى، مثل مؤشر الابتكار، أو الفجوة بين الجنسين، أو مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أو مؤشر التنمية البشرية والتنمية المستدامة وغيرها، التعامل مع هذه المبادرات الدولية يرتبط بتوجهاتنا لاستثمار هذه المبادرات وغيرها من المناسبات لتعزيز حضور فلسطين ضمن تقاريرها ونتائج أعمالها، لأن هكذا مبادرات تشكل ملعبًا مهمًّا لإبراز فلسطين كدولة تستحق الحياة.

 

شاهد أيضاً

التكليف لا يعني التشكيل

بقلم: عمر حلمي الغول بعد فشل خيار تشكيل حكومة طوارئ نتيجة تضارب المواقف المتباينة بين …

اترك تعليقاً

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!