الحلقة الثالثة: فصول من كتاب خالد عكاشة «أمراء الدم»

سيد قطب.. الأب الروحي للدم!

“مثلكم تماما، هالنى كم الدماء التى سفكت من دون وجه حق..” هكذا يبدأ الكاتب خالد عكاشة كتابه «أمراء الدم» الذى يعود فيه إلى جذور الفكر التكفيرى ونشأته وانتشاره على يد سبعة من أئمة العنف والإرهاب باسم الدين الذى نراه اليوم.. من أبو الأعلى المودودى الهندى إلى العراقى أبو بكر البغدادى مرورا بحسن البنا، وسيد قطب، ومحمد عبدالسلام فرج، وقلب الدين حكمتيار، وأيمن الظواهرى.

فى الفصل الثالث من الكتاب الذى صدر مؤخرا عن دار نشر «سما» فى حوالى 600 صفحة، يتناول خالد عكاشة مسيرة وأفكار الأب الروحى لجماعات العنف، سيد قطب، المسئول الأول عن بحور الدماء التى سفكها التكفيريون على مدار نصف القرن الأخير.

كانت كتابات أبو الأعلى المودودي هى المفاتيح السرية، التى فتح بها سيد قطب بابا جديدًا للحركة الإسلامية فى مصر والعالم الإسلامى، حيث تأثر سيد قطب بتقسيمات المودودى لمجتمع الهند إلى أهل جاهلية وأهل الإيمان

فى الفصل الثالث من كتابه يصل خالد عكاشة إلى نواة الفكر التكفيرى لجماعة الإخوان المسلمين وسائر الجماعات والتنظيمات التى انبثقت عنها أو بالموازاة لها. هذه النواة تتمثل فى أفكار وكتابات سيد قطب، الذى أعدم فى الستينيات مع آخرين بسبب مشاركته فى تنظيم يتبنى العنف والإرهاب سبيلا للانقلاب على الحكم، ويرى أن إعدام قطب كان أحد أسباب صناعة أسطورته الساحرة التى ضللت عقول الآلاف من أبناء وأحفاد الإرهابيين الأوائل.

يكتب خالد عكاشة: «كثيرون يعيشون فى غيبوبة الحلم يتنفسون أسطورة سيد قطب، يتخيلونه رجلا ربانيا قادما من زمن الصحابة.. يشق غبار الأيام بفرس لا ينزل عنه، وسيف يتحدى به الطغيان.. انتقل من التزمت فى تسويق «الثورة» إلى التعصب بالتبشير بحلم «الخلافة»، لينتقل بعدها لتكفير المسلمين ووصمهم بالجاهلية.. يستحق وعن جدارة أن يكون أميرا من أمراء الدم، وزيادة فى التضليل منحه أتباعه لقب الشهيد».

يرصد عكاشة حياة قطب والعوامل الشخصية والنفسية التى ساهمت فى تعقيد شخصيته وإيقاف نموها وتثبتها عند الفكر «الجهادي»، حيث يرى مثلا «أن ارتباط سيد قطب بأمه كان له كبير الأثر على حياته، وربما كان ذلك سببًا فى فشله فى الارتباط بالزوجة التى كان يتمناها، فقد أحب فى البداية فتاة وسافر للدراسة ثم عاد، فإذا هى متزوجة فاغرورقت عيناه ثم اضطر للانسحاب، ثم أحب فتاة غيرها وتبين له أنها تحب غيره، وظل خاطبًا لها سنوات عديدة ظل يتعذب بها، حتى صارت نتاجًا أدبيًا رفيعًا من أشهره «قصيدة الكأس المسموم ورواية الأشواك»، ثم اضطر بعد ذلك لفسخ الخطبة».

وتحت عنوان «سيد قطب، من بلاد العم سام إلى الإخوان» يرصد خالد عكاشة رحلة سيد قطب إلى الولايات المتحدة الأمريكية التى ساهمت فى زيادة عقده النفسية وكراهيته للغرب، خاصة أنه حين سافر كان قد تجاوز الأربعين، عازبا، محروما، غير قابل للتطور أو التغيير. «كان أمر هذه البعثة يثير الحيرة والقلق، فقد جاءت فى وقت كان يهاجم فيه النظام الملكى، وكاد هذا الهجوم الذى أخذ شكل مقالات نارية أن يوقعه فى الحبس، لولا صلاته الوفدية التى أنقذته، وكان يبلغ من العمر حينما سافر ٤٢ عاما، وهى السن التى لا تسمح له بالسفر فى بعثات، ونقل قبل البعثة بوقت قصير إلى منصب فى مكتب الوزير يؤهله لتلك البعثة!!

عاد سيد قطب من أمريكا كارها للبشر، ينزع عن المسلمين إسلامهم فى سهولة بالغة

بعد عودته انضم قطب إلى جماعة الإخوان، وكان من أكبر أنصار ثورة يوليو ١٩٥٢، وصديقا شخصيا لزعيمها جمال عبدالناصر، ولكن بعد صدام الإخوان مع الثورة، طالب سيد قطب بالحرية للإخوان باعتبارهم «الشرفاء» وطالب بالبطش لغيرهم، باعتبارهم الملوثين.

التكفير للجميع

كان سيد قطب وجمال عبدالناصر صديقين، وكان سيد قطب المدنى الوحيد الذى يحضر اجتماعات «مجلس قيادة الثورة» التى قام بها الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب، ولكنه سرعان ما اختلف معهم على منهجية تسيير الأمور، ما اضطره إلى الانفصال عنهم، فسيد قطب كان ينتظر اختياره وزيرًا للتعليم بعد قيام الثورة، وكتب عشرات المقالات المدافعة باستماتة عن الحركة المباركة فى التعامل مع خصومها، وربما كان أبرزها مقولته الشهيرة: «لأن نظلم عشرة أو عشرين من المتهمين، خير من أن ندع الثورة كلها تذبل وتموت»، بل إنه كتب مقالا بعد إعدام خميس والبقرى فى أغسطس ١٩٥٢م بجريدة «الأخبار» يقول فيه: «فلنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبر وأن يهيل التراب».

واختاره جمال عبدالناصر نائبا له فى «هيئة التحرير»، وهو التنظيم السياسى الأول للثورة، قبل انقلابه على الثورة، وكان أول شرخ فى العلاقة بين عبدالناصر وقطب، بدأت بعدم وفاء عبدالناصر بوعده لقطب بإسناد وزارة المعارف له، وهى الخطوة التى أدت بقطب إلى الانزواء، والاقتراب بعدها صراحة من الإخوان.

فى ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤م وقعت «حادثة المنشية»، وأطلق مجموعة من أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين النار على الرئيس جمال عبدالناصر، أثناء إلقاء خطاب فى ميدان المنشية بالإسكندرية، وقد اعترف مؤخرًا المتهم الثالث فى القضية «خليفة عطوة» بأنهم فعلًا حاولوا قتل جمال عبدالناصر وليس كما يقول البعض أن الحادثة ملفقة إليهم.

وكان سيد قطب واحدًا ممن ألقى القبض عليهم، بسبب صلته التى كانت قد توثقت مع الإخوان المسلمين، ونقل إلى السجن الحربى ثم إلى ليمان طرة، ثم بسبب مرضه الصدرى نقل إلى مستشفى الليمان. فى أول يونيو ١٩٥٧م، وقعت حادثة كان لها تأثير كبير على فكر سيد قطب، عندما حدث اعتصام لمسجونى الإخوان داخل «ليمان طرة» بسبب رفض طلبات لهم، وبعد فشل محاولات مسئولى السجن فض الاعتصام، تم فض الاعتصام بالقوة، ومات فى عملية الفض عدد من المساجين وأصيب عدد آخر، وتم نقل المصابين إلى مستشفى الليمان.

وكانت هذه الحادثة قد حسمت الأمر داخل سيد قطب، وكانت بداية آخر تحولاته الفكرية الإسلامية، وأصبح مقتنعا أن النظام الذى يحكم لا يمت للإسلام بصلة، ولأنه نظام غير إسلامى فلابد أنه «نظام جاهلي»، ولأنه نظام جاهلى لابد من مقاومته ومحاربته وفرض الإسلام الصحيح عليه بالقوة.

فبالرغم من أن سيد قطب قبل دخول السجن كان يدعو لإقامة مجتمع إسلامى متطور، يواجه متطلبات العصر ويعوض ما فاته بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، أصبح الآن قطعيا لا يؤمن بجدوى هذه النظرية السلمية، التى تعتمد على الحجة والإقناع والتفاهم السهل، أصبح الآن وبسبب محنته ومحنة الإخوان خاصة يؤمن بضرورة الجهاد بالسيف، للتخلص من هذا المجتمع الكافر، الذى يعيش فى جاهلية وينطق بالشهادتين ولا يعمل بهما.

كانت كتابات أبو الأعلى المودودي هى المفاتيح السرية، التى فتح بها سيد قطب بابا جديدًا للحركة الإسلامية فى مصر والعالم الإسلامى، حيث تأثر سيد قطب بتقسيمات المودودى لمجتمع الهند إلى أهل جاهلية وأهل الإيمان، كذلك استفاد سيد قطب من أفكار النظام الخاص فى جماعة الإخوان المسلمين، حيث وجد فى هذا النظام المؤهل لصنع هذا التنظيم ولم يعول على جماعة الإخوان المدنية.

بدأ قطب يؤصل سلسلة التكفير، بتكفير «الجلاد» لأنه لا يمكن أن يكون مسلما من يعذب المسلمين على هذا النحو، ثم امتد التكفير إلى «مأمور الليمان»، لأنه هو الذى أعطى أمر التنفيذ إلى الجلادين، ثم امتد إلى «مدير مصلحة السجون»، «فمدير المباحث العامة» «فوزير الداخلية»، ثم راحت الدائرة تتسع حتى شملت القيادة العليا، لتصل إلى جمال عبدالناصر الرئيس، ثم راحت الدائرة تتسع وتتسع حتى شملت «المجتمع المصرى كله»، فهو يرى أن عبدالناصر أولا يتخلص منه مشاركة بالصمت والساكت عن الحق شيطان أخرس، ومن هنا قام سيد قطب بتأليف كتابه الشهير الذى أطلق قذيفة كراهية وتكفير غير مسبوقة «معالم فى الطريق».

ولم يتردد سيد قطب طويلا فى أن يحول قناعاته إلى برنامج، وأفكاره إلى منهاج، وتصوره إلى تنظيم، تنظيم جديد مستقل عن الإخوان، داخل الإخوان، لم تمنعه أمراضه ولا جدران السجن من تشكيله، واستطاع قطب الاستفادة من إقامته الكاملة بالمستشفى، التى تتيح له الإلتقاء بباقى المساجين من الاخوان المسلمين الموزعين على معظم سجون البلاد، من سجن القناطر إلى معتقل الواحات من أجل ضمهم لتنظيمه الجديد.

الغريب أنه رغم أن لوائح السجون كانت تمنع السجين من الكتابة ولا تسمح له بامتلاك أدواتها، إلا أن حكومة الثورة كانت قد أعطت حرية واسعة داخل المعتقل، فسمحت له باستكمال كتاباته، وقامت بإمداده بالكتب والمراجع!! والأغرب من ذلك أن الرئيس جمال عبدالناصر أصدر قرارا بتعيين «الشيخ محمد الغزالي» وكان من كبار موظفى وزارة الأوقاف آنذاك، لتيسير أحوال سيد قطب فيما يتعلق بالكتابة داخل السجن، وإمداده بما يشاء من الكتب، ومراجعة أصول ما يكتبه مع الناشر قبل أن تأخذ طريقها للنشر!

وفى سنة ١٩٦٤م تعرض سيد قطب لانهيار حاد فى صحته، استدعى نقله لمستشفى المنيل الجامعى، وحصل على الإفراج الصحى من جمال عبدالناصر.

وعقب خروجه من السجن استكمل أخطر كتبه على الإطلاق وهو «معالم على الطريق»، الذى يكاد يكون الأساس فى الفكر المتطرف الذى تشهده الساحة الآن.

من التنظيم السرى إلى الإعدام

لم يتخل سيد قطب عن نظرته التكفيرية للمجتمع وأصر على استكمال مشواره، فالتقى بكل من عبدالفتاح إسماعيل، وعلى العشماوى، وأحمد عبدالمجيد، بترتيب بين عبدالفتاح إسماعيل وزينب الغزالى، وكان اللقاء فى رأس البر، وعرف منهم أنهم كونوا تنظيما فعليا، وأغلب أفراد التنظيم لم يسبق اعتقالهم سابقا، وعرضوا على سيد قطب تولى قيادة التنظيم ووافق، وكانت اللقاءات تتم كل أسبوع أو أسبوعين حسب الظروف المتاحة،

واتفقوا على مبدأ ضرورة استخدام العنف لقلب نظام الحكم، وفرض النظام الإسلامى من أعلى، واتفقوا فى الوقت ذاته على مبدأ رد الاعتداء على التنظيم فى حال وقوع اعتداء عليه، وقاموا لذلك بتدبير الأسلحة والمتفجرات اللازمة لعمليات التنظيم، ووافق سيد قطب على تلك العمليات ولكنه اعترض على توقيتها الذى كان التنظيم قد اعتمدها قبل تولى سيد قطب القيادة، واستمر التنظيم فى التخطيط والتجهيز للقيام بعمليات إرهابية واسعة المدى للوصول إلى الهدف المتفق عليه، واستطاع الأمن فى تلك الفترة أن يمسك ببعض من أطراف هذا التنظيم، ويكشف المخطط الذى كان يتم الإعداد له، ما مكنه من الوصول إلى باقى أعضاء التنظيم.

وقبل مرور العام حوكم سيد قطب ومن معه وحكم عليه بالإعدام مع آخرين، بينما خففت الأحكام على كل من محمد بديع المعيد بكلية الطب البيطرى، ومحمود عزت الطالب بطب عين شمس!

كان لسيد قطب، كما يؤكد مؤلف كتاب «أمراء الدم» نسيج فكرى مُرَكب تشكّل على مهل من الطفولة إلى المشنقة، وما بين البداية والنهاية كان سيد قطب الشاعر الشفاف الملهم الناقد صاحب النفسية الاستشرافية، ثم سيد قطب المفكر الباحث، إلى أن صار المفكر التكفيرى الأول والأب الروحى لجميع قادة التنظيمات الإرهابية والجهادية فى العالم.

أهم فكرتين أساسيتين لسيد قطب هما «الجاهلية» و«الحاكمية».

«الجاهلية» مصطلح يستخدم عادة لوصف الهمجية المرتبكة التى كانت سائدة بين العرب فى العصر الجاهلى، حيث طبّق قطب هذه الفكرة على العالم المعاصر ونظام الدولة السائد، لا سيما على الدول والمجتمعات الإسلامية.

واعتبر قطب، حينها، أن المجتمعات الإسلامية هى على نفس القدر من السوء الذى عليه الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل، وكانت جميعها «دولًا فاشلة»، ورأى أن الحل الوحيد لهذه «الجاهلية» هو قبول «الشريعة».

والفكرة الأخرى التى انتشرت حينها على يد سيد قطب، هى اعتبار أن جميع المسلمين ليسوا مسلمين «حقًا»، حيث اعتبرهم قطب «غير مؤمنين» و«مرتدين»، مناديًا بتكفيرهم أو نفيهم، أو إعلان خروجهم عن الدين رسميًا، ووحدهم الناشطين المخلصين للدعوة من وجهة نظر قطب، اعتبروا «مسلمين صادقين». ورغم أن قطب نفسه لم يجعل فكرة «الخلافة» أساسيةً لفكره، إلا أن أتباعه رأوا فيها «البديل الوحيد» عن الجاهلية، وهكذا رآها «حزب التحرير» أيضًا، الذى يعد جماعة متطرفة يمتد نشاطها عبر القارات، ويعتبر «لعنةً» على وكالات الاستخبارات وأجهزة الأمن فى جميع أنحاء أوروبا وآسيا الوسطى.

وتظهر كثيرا عند سيد قطب بدايات الثنائية المتصارعة المتعارضة، التى لا واسطية بينهما، فالإسلام إما أن يؤخذ كله أو يترك كله، «خذوا الإسلام جملة أو دعوه»، وقد أصبح هذا الجدل بين الكل أو لا شىء طابعا مميزا لفكر الجماعات الإسلامية وسلوكها، وبالتالى غاب الحوار، وتوارى العقل، وبرز الهوى والانفعال، وغابت فكرة المراحل والاستكمال والتطوير والاحتواء.

ذكر أيمن الظواهرى زعيم تنظيم القاعدة، فى صحيفة الشرق الأوسط ديسمبر ٢٠٠١م: «إن سيد قطب هو الذى وضع دستور الجهاديين فى كتابه الديناميت (معالم فى الطريق)، وإن سيد هو مصدر الإحياء الأصولى، وإن كتابه (العدالة الاجتماعية فى الإسلام)، يعد أهم إنتاج عقلى وفكرى للتيارات الأصولية، وإن فكره كان شرارة البدء فى إشعال الثورة الإسلامية ضد أعداء الإسلام فى الداخل والخارج، والتى ما زالت فصولها الدامية تتجدد يومًا بعد يوم».

كما ذكر عبدالله عزام أحد قادة الجهاديين ضد السوفيت، فى كتابه «عشرون عاما على استشهاد سيد قطب»: «والذين يتابعون تغير المجتمعات وطبيعة التفكير لدى الجيل المسلم، يدركون أكثر من غيرهم البصمات الواضحة، التى تركتها كتابات سيد قطب وقلمه المبارك فى تفكيرهم».

معالم الطريق إلى الإرهاب

تعد المرحلة السياسية من ١٩٦٥–١٩٦٧م، التى كان نتاجها كتاب «معالم فى الطريق»، هى الأخطر فى تفكير سيد قطب، نظرا لما تحويه من «فكر المضطهدين».

يطور قطب فى كتابه مفهوم الحاكمية ليتسع به أكثر، وليضمنه بذور التكفير العديدة التى يبذرها فى كل اتجاه فيقول: «والمجتمعات الجاهلية أربعة: المجتمعات الشيوعية، والمجتمعات الوثنية، والمجتمعات اليهودية والنصرانية، والمجتمعات التى تزعم لنفسها أنها مسلمة».

ومن التأصيل يدخل سيد قطب على منطقة الألغام شديدة الانفجار، عندما يبدأ فى الحديث عن الأوطان وعلاقة المواطن بالوطن فيذكر: وجنسية المسلم عقيدته، وجاء الإسلام ليرد الإنسان إلى ربه وليجعل هذه السلطة الوحيدة التى يتلقى منها موازينه وقيمه، هناك حزب واحد لا يتعدد هو حزب الله، وأحزاب أخرى كلها للشيطان والطاغوت، وهناك طريق واحد يصل إلى الله، وكل طريق آخر لا يؤدى إليه، هناك نظام واحد هو النظام الإسلامى، وما عداه من النظم فهو جاهلية».

الانطلاق الحركى للإسلام كما يراه سيد قطب يكمن فى صورة الجهاد بالسيف إلى جانب الجهاد بالبيان، والجهاد هنا هو «إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، وتقرير ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين وتحطيم مملكة الهوى البشرى فى الأرض، وإقامة مملكة الشرعية الإلهية فى عالم الإنسان، لابد من إزالة العقبات بالقوة، فالجهاد ضرورة للدعوة كى تكون عبودية الناس كلهم لله فيها».

والناس ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل ذمة، وأهل حرب، القسم الأول: مسلم مؤمن به، والثانى: مسالم له أمان، والثالث: مخالف له محارب. وحسب قطب فإن الإسلام يحرض على البدء بالهجوم على الجاهلية حتى إن لم تبادئه الجاهلية بالهجوم، وحتى إذا لم تهاجم الجاهلية الإسلام، فإن الإسلام لا يتركها تزاول عبودية البشر للبشر، ولا يدعها دون أن يمد إليها دعوته إلى التحرير العام، لا يهادنها الإسلام، إلا أن تعلن استسلامها لسلطانه فى صورة أداء الجزية، ضمانا لفتح أبوابها لدعوته بلا عوائق مادية من السلطات القائمة فيها.

القطبيون فى جماعة الإخوان

خلفاء سيد قطب وتلاميذه، أو ما يعرف بالقطبيين فى جماعة الإخوان المسلمين، هم فى غالبيتهم أعضاء تنظيم عام ١٩٦٥م، الذى تزعمه سيد قطب، وهم الذى حوكموا معه فى ذلك العام، وكان على رأسهم المرشد الحالى د. محمد بديع، وأعضاء مكتب الإرشاد الحالى د. رشاد البيومى ود. محمود عزت، وكان يطلق عليهم تنظيم «العشرات» وهم الذين يمثلون مكتب الإرشاد حاليا، أما تسميتهم بتنظيم العشرات فذلك نسبة إلى قضائهم ١٠ سنوات فى السجون المصرية من عام ١٩٦٥ إلى عام ١٩٧٥م، حيث قال التلمسانى فى رسائله «إن هؤلاء ليسوا من الإخوان». يعد محمد بديع آخر مرشد معلن للجماعة، وهو أول مرشد يتم تنصيبه فى حياة سابقه محمد مهدى عاكف، وكلاهما من أبرز تلاميذ سيد قطب فى جماعة الإخوان.

وهناك العديد من الشهادات حول فكر سيد قطب من قبل أعضاء جماعة الإخوان، يعرض خالد عكاشة بعضها، ولعل أهمها شهادة أحد أهم علمائهم، الذى قال فى إحدى الندوات بالقاهرة منذ أكثر من خمس سنوات، «إن أفكار سيد قطب ليست من أفكار الإخوان المسلمين، كما أنها أفكار خرجت عن منهج أهل السنة والجماعة»، وبعد يومين من هذه التصريحات استضافت إحدى القنوات التليفزيونية د. يوسف القرضاوى وشرح فيها أفكار قطب بالتفصيل، وحاكم من خلالها أفكار سيد قطب.

وقال «إن هذا الفكر ليس من أفكار الإخوان وأن التنظيم الذى أنشأه عام ١٩٦٥م بعيد عن أفكار الإمام البنا»، ولكن خرج بعدها أعضاء مكتب الإرشاد الحالى القطبيون مدافعين عن أفكار سيد قطب ردا على تصريحات القرضاوى.

في الحلقة القادمة.. عبد السلام فرج.. أمير الاغتيالات

للاطلاع على الحلقة الثانية: فصول من كتاب خالد عكاشة “أمراء الدم”

شاهد أيضاً

18 عاما على مجزرة ومعركة مخيم جنين

صادفت يوم الخميس، الثاني من نيسان، الذكرى الثامنة عشرة لعدوان الاحتلال الاسرائيلي الدموي على مخيم …

اترك تعليقاً

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!