80 عاماً من الدم والغدر (3): دماء النقراشي والبنا تؤجِّج صراع الدولة والتنظيم

يتوقف التاريخ عند لحظات حاسمة فارقة ليسجلها، فما بعدها لا يشبه ما سبقها، في أوقات معينة يقف التاريخ منتبهاً مسجلاً تلك الأحداث التي تعيد تشكيل تاريخ الأمم، ومن تلك اللحظات التي عاصرتها مصر في تاريخها الحديث، تعد الأيام القليلة الممتدة من الشهر الأخير في عام 1948 حتى الشهر الأول من عام 1949 عامرة بالأحداث التي كشفت طبيعة الصدام بين الدولة المصرية وتنظيم «الإخوان المسلمين»، بين دولة كانت ترغب في احتكار كل السلطة وتقصي جميع أشكال الحكم الديمقراطي، وتنظيم يريد الوصول إلى السلطة لاحتكارها مستخدما وسائل لا تقل إجراما عن النظام الملكي المصري، فكان طبيعيا أن يحدث الصدام.

كانت الأمور مشتعلة، الإخوان كشفت عن وجهها الإرهابي، فيما صعد القصر وحكومة النقراشي من إجراءات وقرارات ضد جماعة «الإخوان»، وتم تمهيد المشهد للوصول إلى قمة المأساة بإعلان حل جماعة «الإخوان المسلمين»، وشنت الصحف القاهرية هجوما ساحقا على جماعة «الإخوان»، ولخصت مجلة «آخر ساعة» الموقف قائلة: «لقد تخلصت الحكومة من جماعة يمكن اعتبارها أقوى خصومها، وهذه الجماعة لم تكن مجرد حزب بل كانت تشبه بالأحرى دولة كاملة بأسلحتها ومستشفياتها ومدارسها ومصانعها وشركاتها».

واستندت الحكومة في قرار الحل إلى مذكرة اتهام أعدتها وزارة الداخلية، تتضمن جميع أعمال العنف التي ارتكبتها الجماعة، وضمت المذكرة 13 مادة، من بينها سعي الجماعة لقلب نظام الدولة السياسي القائم عبر استخدام عصابات مسلحة والقنابل والآلات المفرقعة، فضلا عن تخريب المنشآت الحكومية وأقسام ومراكز الشرطة، فضلا عن تعريض حياة الناس وأموالهم عمداً للخطر باستعمال القنابل والمفرقعات، وهي تهم يمكن إعادة توجييها إلى إخوان القرن الواحد والعشرين الذين عادوا لممارسة العنف بالطريقة القديمة.

على كل حال، استند النقراشي إلى مذكرة الاتهام لإصدار قرار عسكري بصفته الحاكم العسكري من 9 مواد، نصت المادة الأولى على أن: «تحل فوراً الجمعية المعروفة باسم جماعة الإخوان المسلمين بشعبها أينما وجدت، وتغلق الأمكنة المخصصة لنشاطها، وتضبط جميع الأوراق والوثائق والسجلات والمطبوعات والمبالغ والأموال، وكل الأشياء المملوكة للجمعية، ويحظر على أعضائها والمنتمين إليها بأي صفة كانت، مواصلة نشاط الجمعية، وبوجه خاص عقد اجتماعات لها أو لإحدى شعبها أو تنظيم مثل هذه الاجتماعات أو الدعوة إليها أو جمع الإعانات أو الاشتراكات أو الشروع في شيء من ذلك».

انطلقت أجهزة الأمن المصرية تطارد أعضاء جماعة «الإخوان» بشراسة، حاول البنا التصدي لهذه الهجمة فأجرى كل اتصالاته، لكنه لم يلق القبول ولم يتلق إلا ضحكات شامتة، الدولة المصرية كانت مصممة على سحق التنظيم بكل ما أوتيت من قوة، وكان البنا يعيش أسوأ أيام حياته على الإطلاق، فمن ناحية رأى بأم عينيه كيف انهار ما سعى إلى بنائه طوال عقود، ومن ناحية أخرى فقد القدرة على توجيه التنظيم الذي تعرض لضربة فككت أوصاله، في تلك الأجواء وصلت الأمور إلى قمة المأساة.

حاول البنا اللعب على القصر والنقراشي عله ينقذ ما يمكن إنقاذه، ففي وثيقتين وجدتا ضمن أوراق النقراشي باشا نكتشف تضارب البنا وتخبطه السياسي، أولهما رسالة البنا إلى الملك فاروق، وتقرير من وزارة الداخلية مرفوع للنقراشي حول زيارة مرشد «الإخوان المسلمين» لديوان الوزارة، لا يفصل بين الاثنين سوى ثلاثة أيام، في الرسالة الأولى يستعدي المرشد العام الملك على النقراشي، بينما نجده في زيارته الى ديوان وزارة الداخلية يمتدح النقراشي، ويتنصل من مسؤوليته تجاه من «اندسوا على الإخوان المسلمين»- على حد قوله.

من الوثيقة الأولى التي أرسلها البنا إلى الملك نقتبس: «يا صاحب الجلالة إن الإخوان يلوذون بعرينكم وهو خير ملاذ، ويعوذون بعطفكم وهو أفضل معاذ، ملتمسين أن تتفضلوا جلالتكم بتوجيه الحكومة أو بإعفائها من أعباء الحكم ليقوم بها من هو أقدر على حملها»، ويغازل البنا الملك فيقول: «الإخوان هي أطهر مجموعة على ظهر الأرض… وأكسب ورقة في يد كل عامل لخير البلاد والعباد».

الوثيقة الثانية هي مذكرة رفعها وكيل وزارة الداخلية عبدالرحمن عمار، إلى النقراشي، الذي جمع بين منصب رئاسة الوزراء ووزارة الداخلية، عن ملخص مقابلته مع البنا يقول فيها عكس ما قاله للملك تماماً، كتب عمار: «حدثنا البنا أنه يريد أن ينهي إلى دولة رئيس الوزراء بأنه قد عول نهائياً على ترك الاشتغال بالشؤون السياسية، ثم تكلم مادحاً دولة النقراشي باشا قائلاً إنه على يقين من نزاهته وحرصه على خدمة وطنه وعدالته في كل الأمور.. ومن مصلحة الحكومة والأمة معاً أن يبقى الصرح الضخم الذي جاهد الإخوان المسلمون سنوات طويلة في إقامته».

كما هو متوقع فشلت مناورة البنا، لم يدرك أن القصر والحكومة اتفقا على تصفية تنظيم الإخوان، وأن آلة العنف دارت ولم يعد في الإمكان السيطرة عليها، تملك اليأس من البنا الذي رأى كل حلفائه خانوه، أدرك أنه خسر كل شيء، التنظيم يترنح تحت قسوة ضربات الأمن وإلقاء القبض على المئات من أنصار جماعته، ندم على موافقته على افتتاح الحكومة للمعتقلات اعتقادا منه أنها لن تستقبل إلا معارضيه، أخذته المفاجأة وهو يرى العشرات من أبناء تنظيمه يساقون إلى المعتقلات، والبنا في قمة يأسه، جاء خبر هز كيانه كله، وأدرك وقتها أن كل شيء انتهى.

اغتيال

إزاء الملاحقات الأمنية لأنصار الجماعة، جاء رد فعل الإخوان عنيفاً، فبعد مرور عشرين يوماً على قرار حل الجماعة، روعت القاهرة بنبأ مقتل رئيس الحكومة محمود فهمي النقراشي باشا على يد شاب إخواني، يدعى عبدالمجيد أحمد حسن، الذي ألقي القبض عليه واعترف فيما بعد أنه قام بفعلته انتقاما من النقراشي بعد قراره بحل جماعة «الإخوان المسلمين».

وأجمعت صحف ذلك الزمان على وصف تفاصيل الحادثة، إلا أن صحيفة «الزمان» المسائية، لصاحبها إدجار جلاد بك ورئيس تحريرها جلال الدين الحمامصي، كانت سباقة لصدورها في مساء يوم الحادثة بنقل التفاصيل الأولية للحادثة.

ففي العاشرة إلا الثلث من صباح يوم 28 ديسمبر 1948، دخل ضابط بوليس برتبة ملازم أول صالة وزارة الداخلية في الطابق الأول، فأدى له حراس الوزارة التحية العسكرية، وأخذ يقطع الوقت بالسير البطيء في صالة الوزارة كأنه ينتظر شيئا ما، وعندما أحس بقرب وصول دولة النقراشي باشا، الذي نزل من سيارته محاطاً بحرسه الخاص واتجه الى المصعد، فأدى له هذا الضابط التحية العسكرية فرد عليه مبتسماً، وعندما أوشك النقراشي على دخول المصعد أطلق عليه هذا الضابط ثلاث رصاصات في ظهره فسقط قتيلا، ونقل جثمانه إلى داره بمصر الجديدة، وأعلنت محطة الإذاعة الحداد مدة يومين تقتصر فيهما البرامج على القرآن الكريم والأخبار والأحاديث، بمعرفة المذيعين وحدهم مع إعفاء المذيعات كنوع من الحداد.

أما القاتل فقد اتضح أنه ضابط مزيف كان يتردد على قهوة بالقرب من وزارة الداخلية، وقال رواد المقهى إنهم عرفوا الضابط المزيف باسم حسني أفندي، وأنه تلقى مكالمة هاتفية قبل الجريمة بعشرين دقيقة من شخص مجهول أخبره أن النقراشي باشا في طريقه إلى مكتبه بوزارة الداخلية، وقام المارة والمتواجدون من العامة بالقبض على المجرم وأوسعوه ضربا وسلموه إلى الشرطة.

ورفض عبدالحميد حسن، الذي كان طالبا بكلية الطب البيطري، الاعتراف بأي تفاصيل عن ملابسات الجريمة ملتزما الصمت مدة ثلاثة أسابيع تعرض خلالها لجميع صنوف التعذيب، حتى أصدر المرشد العام للإخوان حسن البنا بيانه الشهير «ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين»، الذي تبرأ فيه من هذه الأعمال الإرهابية ومرتكبيها، في محاولة أخيرة من البنا لإنقاذ الجماعة من مصيرها، لكن البيان بالصيغة التي خرج بها كان له أثر سلبي على الإخوان الذين انهارت معنوياتهم إلى الصفر، فالرجل الذي بايعوه على الجهاد، تخلى عنهم في أحلك الظروف.

ما إن تأكد القاتل عبدالمجيد حسن بأن البنا أصدر بيانه يعلن تبرأه منه، حتى انهار وأدلى باعتراف تفصيلي، وقال لمدير المباحث الجنائية الأميرالاي محمود عبدالمجيد بك، :»أيوه قتلته وأعترف بكده لأنه أصدر قرارا بحل جمعية الإخوان المسلمين، وهي جمعية دينية ومن يحلها يهدم الدين… قتلته لأني أتزعم شعبة الإخوان منذ كنت تلميذا في مدرسة فؤاد الأول الثانوية».

غضب

شيعت جنازة رئيس الحكومة النقراشي باشا وسط مشاعر غضب من أنصاره، الذين هتفوا «الموت لحسن البنا»، وبدأت ردود الأفعال تتوالى في أعقاب مقتل النقراشي، فقد توالت برقيات العزاء من دول العالم المختلفة وهي البرقيات التي أفردت لها الجرائد وقتها مساحات واسعة في حين تقدم سفراء وقناصل الدول المختلفة بتقديم واجب العزاء.

وخرجت جريدة الكتلة، لسان حال حزب الكتلة الوفدية بعنوان رئيسي «مصرع المغفور له دولة النقراشي»، وهو نفس موقف جريدة «المصري» اليومية وفدية الهوى المعادية للنقراشي فقد تناست عداءها للرجل، فخرجت بعنوانها الرئيسي «اغتيال دولة النقراشي باشا في وزارة الداخلية»، وأفردت صفحتها الأولى لتفاصيل الجريمة.

في حين قدمت جريدة «صوت الأمة» لسان حال حزب الوفد-المنافس الرئيسي للحزب السعدي- تغطيتها للحادث بالتأكيد على أن يدا أثيمة فاجرة امتدت بثلاث رصاصات غادرة إلى المغفور له محمود فهمي النقراشي فسقط صريعا، وتابعت مجلة «آخر ساعة» تفاصيل الجريمة وتحقيقات النيابة مع القاتل حتى خرجت باعترافات عبدالمجيد أحمد حسن بانتمائه الى جماعة الإخوان.

وبعد الحادث بأربعة أيام، وفي صحيفة «أخبار اليوم» الصادرة صباح (السبت) أول يناير سنة 1949 نقرأ العنوان الرئيسي بالبنط الأسود الكبير «قاتل النقراشي له شركاء»، مع عنوان ثانوي باللون الأحمر «إبراهيم عبدالهادي باشا سيجري الانتخابات القادمة»، إضافة إلى صورة الفقيد بجوار صاحبة العصمة السيدة الجليلة أرملته وكان النقراشي يمانع في نشر هذه الصورة عندما كان على قيد الحياة.

على الصفحة الثالثة أيضا من نفس عدد «أخبار اليوم السابق»، نجد مقالا بقلم الكاتب الصحافي الكبير مصطفى أمين تحت عنوان «النقراشي كان يعرف أنه سيموت»، يقول فيه إنه ذهب لزيارة النقراشي باشا في منزله قبل اغتياله بأسبوعين تقريبا ولفت نظره أثناء جلوسه في الصالون، انتظارا لنزول الباشا، أن حوائط المنزل مزينة بصور أصدقاء النقراشي الراحلين، ومنهم د. محجوب ثابت وشاعر النيل حافظ إبراهيم ورفيق كفاحه أحمد ماهر، وصورة مصطفى النحاس باشا رغم اختلاف النقراشي معه.

ودار الحوار بين مصطفى أمين والنقراشي حول القرار الذي ينوي إصداره بحل الإخوان المسلمين، فتمسك النقراشي برأيه في ثبات عجيب، وقال بالنص: «سوف أصدر القرار وأنفذه وبعد الاطمئنان على الحالة سأستقيل، وأعود معلما كما بدأت وأعلم ابني هاني وصفية بنفسي».

ولما رأه مصطفى أمين مصرا على تنفيذ رأيه تنبأ باغتياله، وقال له: «قد تكسب رأيك ولكننا سنخسرك». وعاد مصطفى أمين الى بيته باكيا وكان يشعر وهو يصافحه أنه الوداع الأخير، وتحققت النبوءة واغتيل النقراشي، فختم مصطفى أمين مقاله قائلا: «تلقيت نبأ مقتل النقراشي فلم أبك ولم أنتحب لأني بكيته بالدمع السخين قبل أن يموت بأسبوعين».

حزنت مصر وجزعت لمقتل النقراشي باشا، وشيعه مجموع الشعب ليدفن بجوار صديقه ورفيق عمره أحمد ماهر باشا في المدفن المقام بشارع الملكة نازلي (رمسيس حاليا)، بالقرب من مستشفى دار الشفا بالعباسية ومن الغريب أن القاتل أعلن ندمه عقب اعترافه الجريمة، وقد توالت حفلات تأبين النقراشي باشا وتبارى الشعراء والأدباء في رثائه ومنهم صديقه علي بك الجارم بقصيدته الغائية الفخمة ومطلعها:

ماء العيون على الشهيد ذراف … لو أن فيضا من معينك كافي

وإذا بكى القلب الحزين فماله … راق ولا لبكائه من شافي

ورثاه أيضا صديقه الشاعر والمفكر الكبير عباس محمود العقاد بقصيدة أنيقة عنوانها ‹الشهيد الأمين» مطلعها:

أسفي أن يكون جهد رثائي … كلم عابر ورجع بكاء الانتقام

انتهت مشاهد الحزن سريعاً، وبدأ القصر الملكي في الاستعداد للانتقام من قتلة النقراشي، تم تحميل حسن البنا المسؤولية كاملة على جريمة الاغتيال، رغم محاولته التنصل بإصدار بيانه الشهير الذي تبرأ فيه من أعضاء جماعته، إلا أن القصر اتخذ قراره بتصيفة البنا سياسياً ومعنوياً أولا، ثم إطلاق رصاصة الرحمة لتصفيته جسدياً ثانياً، فقد تولى رئاسة الحكومة إبراهيم عبدالهادي، الصديق الحميم للنقراشي ورئيس الديوان الملكي، الذي أصبح اسمه في الشهور التالية مرتبطا في أذهان جميع المصريين بالسلطة الرسمية الغاشمة، فمن خلاله كان القصر الملكي يحكم بصورة مباشرة ويتحكم في الحياة السياسية، فضلا عن لجوء عبدالهادي إلى العنف المفرط في مواجهة الإخوان.

في تلك الأثناء، كان حسن البنا على وشك الانهيار، يستجدي العفو من القصر، استغلت الحكومة حالة البنا في التلاعب به، وافق عبدالهادي على عرض البنا في مساعدة الحكومة لاستعادة الأمن مقابل إعادة الشرعية للجماعة، شكلت لجنة وساطة، ضمت صالح حرب باشا وزكي علي باشا ومصطفى مرعي بك ومحمد الناجي ومصطفى أمين، وهم جميعا من أصدقاء الجانبين، وكان ثمرة عمل هذه اللجنة إصدار البنا لبيانه الشهير الذي حمل عنوان «بيان للناس»، الذي استنكر فيه عملية اغتيال النقراشي وتبرأ فيه من قاتليه، وكان البيان خطوة في طريق قتل البنا سياسياً.

استغل رئيس الحكومة عبدالهادي محاولة الإخوان لتفجير محكمة الاستئناف في 13 يناير 1949، وإلقاء القبض على عضو التنظيم الخاص شفيق إبراهيم أنس، الذي اعترف بإعطاء القنبلة لأحد السعاة لوضعها داخل المحكمة، لكنها انفجرت خارجها، استغل عبدالهادي الحادث لممارسة مزيد من الضغوط على البنا، الذي أصدر بيانا جديدا ضمنه عبارته الشهيرة «ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين»، ثم وجه البنا نداء عاما إلى شباب الجماعة للكف عن كتابة خطابات التهديد وارتكاب أعمال العنف، معتبرا أي أفعال أخرى موجهة إليه شخصيا.

عندما حصل عبدالهادي على ما يريد من البنا، أغلق باب المفاوضات معه، وقرر استخدام مزيد من العنف في مطاردة الإخوان وتعذيبهم في السجون، وعندما فقد البنا أي أمل في استعادة الود المفقود مع القصر، أصدر البنا بيانه الأخير بعنوان «القول الفصل»، وزع سراً، برر فيه لجوء الإخوان إلى العنف، في محاولة بائسة لاستعادة شعبيته المتداعية بين صفوف جماعته.

دقت ساعة النهاية لحسن البنا، ففي مساء السبت 12 فبراير 1949، وبعد اجتماع مع صهره عبدالكريم منصور في مقر جمعية الشبان المسلمين، بشارع الملكة نازلي (شارع رمسيس الحالي بوسط القاهرة)، وطلبا من ساعي الجمعية عوض باستدعاء سيارة أجرة، في الثامنة و12 دقيقة، وكانت الأجواء هادئة في الشارع في تلك اللحظة، لم ينتبه أحد للسيارة السوداء الموجودة على الناحية الأخرى من الشارع.

جلس البنا في المقعد الأيمن من السيارة وصهره في المقعد الأيسر، فجأة ظهر رجلان من العدم، عبرا الطريق قادمين من السيارة السوداء، اتجه أحدهما صوب البنا أطلق عليه النار من مسدس يحمله، حاول البنا المقاومة وأمسك المسدس، لكن المهاجم المجهول عاجله بضربة قوية ثم أجهز عليه، بإطلاق رصاصة قاتلة من مسافة متر، ابتلع الظلام المهاجمين، ولم يعثر لهما على أثر، تركا خلفهما البنا قتيلا وفي جسده 6 أعيرة نارية.

من قتل البنا؟ ظل السؤال معلقا، وإن كانت أسهم الاتهام صوبت إلى القصر وحكومة عبدالهادي، باعتبارهما المستفيد الأول من قتل البنا، لكن وفقاً للمؤرخ مارك كويتس في كتابه «التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين»، فإن تقرير هيئة المخابرات الخارجية البريطانية بهذا الشأن يتحدث بكل وضوح عن أن الحكومة «دبرت الاغتيال بموافقة القصر، فقد تقرر إزاحة حسن البنا من مسرح نشاطاته بهذه الطريقة، لأنه طالما ظل حراً، فالأرجح أن يسبب إزعاجاً للحكومة، في حين أن اعتقاله سيؤدي يقينا إلى مزيد من الاضطرابات مع أنصاره، الذين لا ريب في أنهم يعتبرونه شهيداً لقضيتهم»، هكذا تم التخلص من حسن البنا لينهي الملك فاروق ورئيس حكومته الفاشية إبراهيم عبدالهادي إرهاب الإخوان بإرهاب مماثل.

انتهت مواجهة أربعينيات القرن الماضي بين الدولة والإخوان بعد عاصفة الدم وسقوط الجماعة في فخ الإرهاب، واعتماد منهج التصفية الجسدية والتفجيرات للمنشآت العامة، فكانت الحصيلة مقتل رئيسي حكومة أحمد ماهر ثم محمود فهمي، واغتيال حكمدار القاهرة، والقاضي أحمد الخازندار، فضلا عن وفاة وإصابة العشرات في التفجيرات التي طالت منشآت عامة وخاصة، ثم سقط حسن البنا نفسه ضحية لدائرة العنف التي أطلقها، لكن الجماعة الدموية كانت على أعتاب مواجهة أعنف فالخمسينيات تطل بوجهها ومعها ثورة 23 يوليو 1952، وبدأت نذر المواجة بين الضباط الأحرار والإخوان تلوح في الأفق.

«الجريدة» الكويتية – حسن حافظ

في الحلقة القادمة … 80 عاماً من الدم والغدر 4 الطريق إلى «المنشية»

للاطلاع على 80 عاماً من الدم والغدر (2) صندوق الـ«بندورا» الذي كشف أسرار «الجماعة»

شاهد أيضاً

ملحم ينفي إصابة ممرضة أردنية بفيروس “كورونا” بعد زيارتها فلسطين

نفى الناطق الرسمي باسم الحكومة إبراهيم ملحم، ما أشيع عن اكتشاف إصابة لممرضة أردنية تعمل …

اترك تعليقاً

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!