الكوروجينيا.. من الانتخاب الطبيعي إلى الانتقاء الموجه

بقلم: حسن العاصي

مند كان البشر يعيشون في جماعات بدائية صغيرة، تعاملوا مع بعضهم البعض بصورة عدوانية شرسة، وبكراهية مخيفة، وسيطرت عليهم الرغبة في القهر والإبادة. حينذاك تجلى مفهوم “نحن والآخرون” في سيادة الجماعات الكبيرة والقوية، وترسيخ هيمنتها لفرض احترامها وسلطتها على الآخرين. ثم تأخر البشر كثيراً لإدراك أنهم من نوع واحد، بواسطة الفطرة الصائبة لبعض المفكرين بداية، ثم عبر الأديان السماوية والعقائد الإنسانية، وأخيراً من خلال العلوم الحديثة التي أكدت أن جميع البشر ينتمون إلى فصيلة واحدة. ولكن من سوء حظ الإنسان أن هذا لم يؤد إلى تغير أنماط السلوكيات لدى البشر، بالقدر الذي مكن الإنسان من معالجة أزمته المزمنة المتعلقة في الازدواجية ما بين الفكر والعقل، والتناقض الصارخ بين الخطاب الأخلاقي والسلوكيات والمواقف الأخلاقية. في غمرة انتشار فيروس “كورونا المستجد” Corona Virus الذي اكتشف في مقاطعة “ووهان” الصينية أواخر العام 2019 يشهد العالم موجات متلاحقة من الرعب واللغظ والجدال والاستنتاجات، والسلوكيات والمواقف غير المعتادة من البشرية. ورغم كافة التطمينات التي قدمتها منظمة الصحة العالمية، إلا أنها لم تستطع من تهدئة الذعر الذي أصاب الناس من هذا القاتل المجهول. في المشهد “الكوروني”، ظهر قبح الإنسان في هجمات الكراهية على أبناء العرق الأصفر، وتحميلهم مسؤولية تصنيع ونشر هذا الفيروس المرعب. حيث شهدت شوارع كثير من المدن في العالم تعرض أناس من أصل آسيوي إلى الاعتداء العنصري على خلفية انتشار الفيروس. التداعيات التي أحدثها للآن انتشار فيروس كورونا، كشفت عن هشاشة الإنسان وحيرته رغم كل ما يملكه من تقنيات وأسلحة دمار شامل، وأظهرت مقداراً مفزعاً من الأنانية والجشع في النفس البشرية. ومنحت الجماعات اليمينية المتطرفة الذريعة لبث سموم الكراهية والتخندق، ودفعت شعوب العالم للانكفاء والتقوقع. كما بينت الأسابيع الماضية عجز الحضارة المعاصرة بكل إنجازاتها، حيث غدت كسيحة أمام قاتل لا يرى بالعين. وتسبب في إعادة الإنسان إلى خوفه البدائي، ووضعه أمام المرآة دون مساحيق، ليرى تكبره على الطبيعة، وغروره العلمي. فهل يكون انتشار هذا الفيروس فرصة لتغيير نمط حياة وتفكير العرب، ودفعهم مرة أخرى لإعادة دراسة تاريخ العلم، وماهي أهم الإنجازات العلمية خلال الثلاثة قرون السابقة، فربما يصبحوا في يوم ما جزءًا من هذا العالم وإنجازاته وتطوره وعلومه واقتصاده، لا أن يكونوا خارج هذا كله.

شاهد أيضاً

التكليف لا يعني التشكيل

بقلم: عمر حلمي الغول بعد فشل خيار تشكيل حكومة طوارئ نتيجة تضارب المواقف المتباينة بين …

اترك تعليقاً

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!