في الفشل والشخصية المتجاوزة للفشل كتب بكر أبوبكر

في الجو المشحون والمأزوم والمضطرب الممهّد للنكبة الكبرى في تاريخ الأمة ، في هذا الجو الملئ بحصاد من الشر المحيط بالمنطقة العربية عانت فلسطين الأمرّين من الاستعمار والتهويد معا، مع ما لاقته من الاستهانة السابقة من الحكام العثمانيين ثم العرب، الى ان أوقعت بريطانيا فينا وبالتعاون مع العصابات اليهودية نكبة فلسطين عام 1948،وبذا تمكنت صهيونية هرتزل أن تحصل على الأرض والشعب (في أرض فلسطين)، وأن تحصل علي الحق القانوني (البراءة) من قبل الأمم المتحدة بإنشاء دولة لليهود من أجناس وقوميات شتى لأول مرة لهم في التاريخ في أرضنا نحن أرض فلسطين التي لم تطأها أرجل هؤلاء أو أي من أسلافهم أبدا.

مناخ الفشل العربي

في هذا الخصم المتكالب تنازعت الحركات والأحزاب الوليدة في المنطقة العربية أمنيات وآمال الوحدة العربية، ورغبات البناء الأممي الاشتراكي، وأحلام الوحدة الاسلامية، فقامت تنظيمات وأحزاب عدة انشغلت بشعاراتها وبنائها النظري الفكراني عن حقيقة الميدان و آلام الناس وطموحاتهم، فأعاشت الأمة والشعب الفلسطيني في دوامة الاختيار ما بين مشاريعها المتعددة بعيدا عن فلسطين كأولوية،هذه المشاريع التي فشلت جميعها فيما لحق منذ زمن (الشيوعية والقومية العنصرية والاسلاموية).

في مناخ النشأة الممهد لحركة فتح،رفعت الأنظمة العربية الضعيفة حديثة النشأة المرتبطة بالاستعمار -رغم التآمرات الغربية والدولية-رفعت راية الفشل مبكرا عبر إشهارها سيف الأحلام الوردية (القومية العنصرية، والاسلاموية والشيوعية الأممية)،إذ جعلت الهدف كبيرا جدا لكي يعيش الإنسان العربي في بحرها المتلاطم، ولا يدرك حقيقة أن الشعارالعملي بمقدار حاجته، وبمقدار قدرته على التحقيق. وعندما حكم هؤلاء دولا في المنطقة في ظلال سيوف الأحلام الوردية أوقعوها في ظلم الحزب وساديتّه واستبداده تحت غطاء شفاف وكاشف اسمه تحرير فلسطين.

فشلت الأنظمة العربية في علاقتها القضية الفلسطينية خاصة في أمرين، الأول: فشلت أن تطمس الشخصية الفلسطينية والكيانية الموحدة سواء عبر الشعارات البراقة التي روجت لها، أو عبر الاغراءات والتهديدات، كما فشلت ثانيا في كسر الإرادة الفلسطينية الوطنية التي عبرت عن ذاتها من خارج الأحزاب وخارج الحكومات الرسمية فكانت حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح.

في ظل فشل الأنظمة ظهر الثوريون بجلاء كجمال عبد الناصر، وهواري بومدين فانتصرالاثنان للشعب وللقضية وصرخا طويلا معلنين صعود نجم “الظاهرة النبيلة”، وقال الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين معلنا ذلك للحكام العرب في أحد المؤتمرات العربية غاضبا: لكم أن تنظروا لفلسطين كصاعق التفجير في المنطقة، أو تعتبرونها قبلتكم، وأنا أرى أن ليس لكم إلا أن تدعموها لأنني مع فلسطين ظالمة أو مظلومة.

ورد عليه أمير الشهداء خليل الوزير بالقول: أن من يتخذ موقفا مؤيدا أو يرمي حجرا تجاه الاحتلال الصهيوني فنحن نحبه، فكيف بمن يفعل أكثر من ذلك؟

الشخصية الفلسطينية ثلاثية الصفات

كانت ظروف النشأة لحركة فتح ممتدة لجذر الهيمنة الاستعمارية الانجليزية على فلسطين، فاستفادت الحركة من كافة الثورات منذ العام 1919 فصاعدا وخاصة من ثورة 1936 ومن تجربة الشيخ عز الدين القسام ومن تلاه من كبار القادة المجاهدين، فأنشدت أنا قد كسرت القيد قيد مذلتي كما أنشدت

أنا إن سقطتُ على التراب/ مُسربلاً بك يا جراحي

وتدفقت مني الدماءُ/ ومال في جنبي سلاحي

وتلقفت جسدي الطيورُ/ الحائمات على البطاحِ

هذا طريقي في الكفاح / فيا أخي أتمم كفاحي .

كما كان للهجرة اليهودية وممارسات العصابات الصهيونية، وما قامت به من اقتلاع وإرهاب وقتل أن أدى الى مقاومة شديدة باسلة ، بينما المسرح كان قد تهيأ والقتلة اقتسموا دماء الفريسة ما أدى الى طرد و لجوء وإحباط وحالات يأس، لكنه مع ذلك حفر في عقل الفلسطيني عميقا عقيدة العمل لانتزاع الأمل وليس الأمل بلا عمل.

الى ما سبق كان للهجرة اليهودية، وما قابلها من اقتلاع ولجوء وإحباط أن حُفِر في عقل الفلسطيني عقيدة العمل لانتزاع الأمل وليس الأمل بلا عمل.

يقول الله تعالى في محكم التنزيل ضمن 550 آية تحث على الفعل والعمل “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”(التوبة105) ما استقر في الخلفية الدينية-الثقافية للمؤسسين والرواد الثوار، وفي حركة فتح كمبدأ لاحقا.

ويقول الفيلسوف الالماني “فيخته”: (إدراك النفس لذاتها ولقدراتها بعد توعيتها لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مقارنة بين الذات ونقيض الذات أي بين النفس والخارج ، كما انه لا يمكن أن يتحقق دون اعتماد الذات على مقاييسها التي فطرت عليها والإيمان بها والثقة بإمكانية استثمارها)

من هذا الواقع الأليم، وبحُسن الإدراك قرر الفلسطينيون وحركة فتح ضمن الطليعة المناضلة،أن تكون الشخصية الفلسطينية متكاملة التكوين بعيدة عن الإحباط والسلبية والشاشة السوداء، وبعيدة عن الشكوى والاندحار والذِلّة، فبنيت الشخصية التي تشمّر عن ساعد الجد، المعتمدة على ذاتها من خلال البيئة الطاردة في المخيمات التي جعلت من الأهل يسعون جاهدين لدفع أولادهم ليحققوا أحلامهم عبرهم من خلال تعليمهم وإن عروا وأفقروا ومنعوا اللقمة من افواههم وظل مفهوم التعليم هذا ثابتا في الشخصية الفلسطينية حتى اليوم.

أما ثانيا وكثمرة لهذا البناء الابداعي المقاوم لظروف القهر فلقد اعتمد أبناء المخيمات على ذاتهم بأن انساح كثير منهم في الأرض يبحثون عن لقمة العيش الكريم بعيداً عن بطاقة اللجوء، ويبنون ذاتهم ويدعمون عائلاتهم في الوطن أو الجوار حيث مخيمات اللجوء، وفي نفس الوقت يسهمون بعلمهم وعملهم ببناء دول الأمة الناشئة ما كان لهم به أيادي بيضاء.

أما ثالثا فلقد استطاعت الابداعية الفلسطينية وحركة فتح إن تنقذ الشخصيته الفلسطينية من الذوبان في المحيط الأكبر، وتنتشلها من محاولات طمسها ببعث القاعدة النضالية الوطنية فيها بالتكرس وأعطاء الاولوية والتخصص في الكفاح الموجهة أساسا لفلسطين لا لأي قضية (كبرى) أخرى.

التجارب الثورية

احتضنت حركة فتح منذ أواخر الأربعينيات وعلى الفترة العشرية الممتدة من 1947-1957 تجارب الشعوب العربية الثورية كلها (الثورة المصرية / الجزائرية / التونسية) وتجارب الشعوب الآسيوية (الصينية / الفيتنامية / الكورية) وتجارب الشعوب الامريكية (الثورة الكوبية)، وألحقتها حديثا بتجربة جنوب افريقيا، كما استمدت عمقها الحضاري العربي الاسلامي من انتمائها الأصيل الممتد في عمق تاريخنا القديم والحديث ليس فقط منذ وقع الشيخ عزالدين القسام أوراق اعتماده كأول مفكر تنظيمي وصاحب مدرسة العمل المرتبطة بالتعبئة والتحريض على النضال، وإنما منذ ان قام الشريف ظاهر العمر الزيداني في القرن 18 بإنشاء أول دولة فلسطينية في فلسطين وما حولها في سابقة نشؤ دولة متكاملة لم يكن مثيل لها عند الدُخلاء القادمين من شتى بقاع الأرض ينهبون ما لا يملكون ولا يمتون له دينيا أو تاريخيا بصلة.

لقد استطاع ياسر عرفات وخليل الوزير وأبو اياد صلاح خلف وخالد الحسن وأبو ماهر غنيم وأبو اللطف وسليم الزعنون وكمال عدوان وأبو يوسف النجار ومحمود عباس وزملائهم الكثير من الرواد، ومن تلاهم،أن يصوّبوا بدقة فأصابوا الهدف،إذ ربطوا مجموعة من العلاقات المؤثرة مع كل من الزعماء: تشي جيفارا وماوتسي تونغ والملك فيصل بن عبدالعزيز وهواري بومدين وجمال عبد الناصر و”هوشي منه” والجنرال جياب.

قال ياسر عرفات ل”هوشي منه” قائد الثورة الفييتنامية ذات يوم : لنا الشرف أن نلتقي ونتعلم من قائد أعظم ثورة في العالم . فرد هوشي منه قائلا : بل أنتم أعظم ثورة في الحقيقة لأنكم تديرون الثورة في منطقة النفط، وهي الأشد حساسية في العالم.

صنع القادة والرواد الأوائل ثورة، تنقلت على بساط الريح-وإن بصعوبة- عبر المراحل بوعي عميق للتجارب تداخلت فيها شتى الصراعات، وتنقلت بين التاريخ والواقع المتغير بذكاء التنقل بين حقول الأشواك واختيار أدوات الفعل النضالي.

المراحل والتجاوز

في البدء: كانت السماء حدودَنا الدنيا، إذ كلّمنا الغيمات والقمر وخطبنا ود الكواكب فتنقلنا بين المشتري والمريخ.

وفي مرحلة المد الثوري والعنفوان الجماهيري لم نكلّ أو نملّ من استخدام كافة أشكال العمل العسكري لنُسمِع صوتنا للقاصي والداني وحتى من به صمم، مصداقا لقول شاعرنا العربي الكبير أبو الطيب المتنبي: أنا الـذي نظـَرَالأعمى إلى أدبــي … وأسْمَعَـتْ كلماتـي مَـنْ بـه صَمَـمُ، مسببا هذا الأمر بالقول:فالخيـلُ والليـلُ والبيـداءُ تعـرفني … والسيـفُ والرمـحُ والقرطاسُ والقلمُ.

ثم تولدت لدينا مرحلة الواقعية السياسية وخط النضال المرحلي، وهي المرحلة التي نعيشها اليوم، بعد طول جدال نظري وميداني بين مدارس وتجارب واجتهادات حركة فتح التي شملت اليمين واليسار وما بينهما.

وفي المراحل الثلاث كان الابداع الثوري المرتبط بالتجدد يستخدم عقلية (التجاوز) للقديم والمتهالك والمحبط واليائس و(يقفز) نحو المستقبل في رؤية واضحة للواقع والمتغيرات، ونحو الأفضل ونحو العنفوان (الثورة) التي جسّدت عملا وفعلا وكفاحا ما زال حتى اليوم من سمات حركة فتح التي تؤمن بالميدان، والخطوات المتقدمة بدل من أن تكون في ذيل الحدث تلاحقه أو تعلق عليه، بل آثرت حتى اليوم أن تصنعه وتراكمه وتبدعه، ولكنها قد تخطيء وتعطب.

وفي ذلك العطب الفتحوي قال العلامة هاني فحص (أريد لفتح ان تعالج أعطابها …لان فلسطين لا تستغني عنها،وأنا لا أحب فتح لأنها جميلة او طويلة أو غنية ، أنا أحب فتح لأنها بنت فلسطين التي تشبهها ….ولأنها أم فلسطين التي تُشبهها ولا أحب أن يتراجع الشبه بين فتح وفلسطين لأن في ذلك حراما بيننا وشبهات لا تبعد كثيرا عن الحرام.)

شاهد أيضاً

ومضة

ليست هي المرة الأولى التي يستخدم فيها الأخ الرئيس أبو مازن وصف “شعب واحد في …

اترك تعليقاً

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!