ذكرى رحيل المناضلة الدكتورة فـريال محمد عودة البنا (أم عمار)

بقلم لواء ركن/ عرابي كلوب 30/8/2016م

الدكتورة/ فريا ل محمد البنا، رائدة من رائدات العمل الوطني الفلسطيني، وعضو المجلس الثوري لحركة فتح، والمجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة البيت الصامد، والتي انتمت مبكراً إلى حركة فتح، ومن الرواد الأوائل من الطبيبات اللاتي تخرجن وعملن في مستشفيات قطاع غزة منتصف ستينيات القرن الماضي، حيث لا يخلو بيت في قطاع غزة من بصمة لها فيه، سواء كانت طبية أو اجتماعية أو وطنية، حيث سخرت عملها وعلمها لخدمة أبناء شعبنا الفلسطيني القابع تحت الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على أرضه والتي انتقلت إلى رحمة الله تعالى يوم الثلاثاء الموافق 31/8/1999م.
الدكتورة/ فريا ل محمد عودة البنا من مواليد مدينة غزة عام 1941م، أنهت دراستها الابتدائية والاعدادية في مدراس القطاع، وحصلت على الثانوية العامة من مدرسة الزهراء الثانوية للبنات عام 1959م، وكانت ضمن العشر الأوائل على القطاع في الثانوية العامة التحقت في نفس العام بكلية الطب جامعة القاهرة، حيث تخرجت عام 1965م، وبتقدير جيد جداً، وأمضت سنة الامتياز في المستشفيات المصرية حيث عادت إلى قطاع غزة عام 1966م، لتعمل في مستشفى النصر كطبيبة أمراض نساء وولادة.
تزوجت د. فريا ل البنا من الدكتور/ زكريا الأغا عام 1970م والذي أصبح فيما بعد عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح وعضواً في اللجنة التنفيذية لـ (م. ت. ف).
تابعت دراستها العليا في مصر وحصلت على شهادة الماجستير في أمراض النساء والولادة عام 1975م لتعمل بعد عودتها أخصائية لهذا التخصص بمستشفى الشفاء بمدينة غزة حتى عام 1989م، حيث تم فصلها من عملها بقرار من سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
التحقت د. فريا ل البنا في حركة فتح أوائل عام 1969م، وخلال حرب عام 1967م واحتلال القطاع من قبل الجيش الإسرائيلي، وخلال سنوات المقاومة المسلحة بين أعوام (1968 – 1971) لعبت الدكتورة/ فريا ل البنا دوراً كبيراً بعيداً عن الأضواء في رعاية الجرحى والمصابين من رجال المقاومة الفلسطينية في القطاع.
بعد التحاقها بحركة فتح عملت د. فريا ل في صمت، وفي عام 1987م وقبل اندلاع الانتفاضة الأولى أسست مع بعض زميلاتها الإطار النسوي لحركة فتح، كأول إطار نسوي للحركة في القطاع، وهو اتحاد لجان المرأة للعمل الاجتماعي، وفي نفس الوقت تقريباً قامت زميلتها الأخت/ ربيحة ذياب بتأسيس هذا الإطار في الضفة الغربية، حيث هناك تعاون وتنسيق بينهما، وفعلاً فقد تم تنسيب المئات من الفتيات والسيدات لهذا الإطار الذي كان إطاراً نسوياً فاعلاً في قطاع غزة أسوة بالأطر النسوية الأخرى.
عام 1974م عندما عقد مؤتمر القمة العربية في المغرب والذي أعتمد (م. ت. ف) ممثلاً شرعياً للفلسطينيين، ومن خلال لجنة التوصية الوطنية التي كان يرأسها المرحوم د. حيدر عبد الشافي، تولت د. فريا ل البنا بجمع التواقيع من الأطباء في مختلف المستشفيات بقطاع غزة تأييداً لقرار مؤتمر القمة العربية بالرغم من تواجد قوات الاحتلال في القطاع والخطورة التي ستتعرض لها آنذاك الدكتورة/ فريا ل البنا.
كانت من مؤسسي الجمعية الطبية لقطاع غزة عند إعادة تأسيسها عام 1977م، وكانت عضواً نشيطاً في الجمعية، كما كانت عضواً مؤسساً في المجلس الصحي الفلسطيني عام 1992م والذي مهد لتأسيس وزارة الصحة الفلسطينية عام 1994م بعد قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية، كما صدر مرسوم رئاسي (رقم 2) لسنة 1999م بشأن إنشاء المجلس الأعلى للطفولة والأمومة عينت بموجبه د. فريا ل البنا عضواً في هذا المجلس اعتبارا من تاريخ 1/1/1999م.
عوقبت د. فريا ل البنا من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالفصل عن عملها عام 1989م لأسباب أمنية وذلك لنشاطها الحركي والتنظيمي والوطني.
شاركت د. فريا ل البنا في إضرابات الأطباء في فترة السبعينيات من القرن الماضي، وفي الإضراب الكبير الذي قامت به الجمعية الطبية في عام 1981م ضد ممارسات الجيش الإسرائيلي والحكم العسكري ضد المواطنين، وضد الأطباء على وجه الخصوص، حينما قامت باقتحام عياداتهم واعتقالهم وفرض الضرائب عليهم، والذي شهد انتفاضة شعبية عارمة طيلة فترة الإضراب والتي دامت أكثر من شهر.
خلال الانتفاضة الأولى عام 1987م، قامت د. فريا ل البنا بدور كبير في فعاليات الانتفاضة ومعالجة الجرحى والاعتصامات العديدة أمام مقر الصليب الأحمر والمؤسسات الدولية في قطاع غزة.
في عيادتها الخاصة عالجت د. فريا ل البنا مئات النساء الفقيرات أو زوجات الأسرى والشهداء مجاناً، بل كانت في أحيان كثيرة تقوم بشراء العلاج اللازم لهن، وكذلك لم تتخلف يوماً عن معاينة مريضة سواء في المستشفى أو في عيادتها الخاصة، في أي وقت يحتاجها المرضى.
أسست د. فريا ل البنا مع أخوات فاضلات مؤسسة البيت السعيد والتي تغير أسمها فيما بعد ليصبح (مؤسسة البيت الصامد) وكانت هذه المؤسسة تعنى بشكل رئيسي بأسر الشهداء والأسرى، حيث كانت ترعى زوجات الأسرى والشهداء وتوفر لهن عملاً يعتاشون منه مع أطفالهم من ورائه، وذلك من خلال تزويدهم بماكينات الخياطة أو مدهم بالمواد اللازمة للتطريز وحياكة الملابس، واعطائهم أجور شهرية جراء قيامهن بهذا العمل، كذلك كانت تقوم المؤسسة بجمع منتجات هذه الأسر، وإرسال جزء منها مثل الكنزات الصوفية للأسرى في السجون الإسرائيلية، وتوزع جزء آخر من القمصان والبنطلونات على الطلبة المحتاجين في المدارس بالإضافة للأسر المحتاجة.
كما قامت المؤسسة بدور صحي من خلال دورات التثقيف الصحي للسيدات ومساعدة الأطفال وخاصة الفتيات اللاتي فقدن عيونهن جراء إطلاق الرصاص المطاطي من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي لتركيب عيون صناعية تجميلية، كذلك كانت المؤسسة تقوم بالعناية بالمصابين، وكانت على تواصل دائم مع الأطر النسائية في الضفة الغربية لتنسيق العمل الوطني المشترك.
في عام 1993م كلفت د. فريا ل البنا بعضوية اللجنة الحركية العليا لحركة فتح في قطاع غزة، والتي قادت العمل التنظيمي والحركي لحركة فتح خلال فترة طويلة.
بعد قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أرض الوطن عام 1994م، عملت د. فريا ل البنا كمدير عام لدائرة المرأة، والتي تشرف على تطوير الخدمات المقدمة للسيدات المرضى والتثقيف الصحي من خلال نشر الثقافة الصحية بين المواطنات والإشراف على عدة دورات خاصة بهذا الجانب.
عام 1996م عُينت د. فريا ل البنا عضواً في المجلس الثوري لحركة فتح، وعضواً في المجلس الوطني الفلسطيني وذلك إبان دورته التي عقدت بغزة عام 1996م.
عام 1997م صدر قرار من الرئيس الشهيد/ ياسر عرفات بتعيينها مستشارة لوزارة الصحة بدرجة مدير عام حيث تسلمت إدارة صحة المرأة بوزارة الصحة الفلسطينية.
خصصت د. فريا ل البنا جزءاً كبيراً من عملها بعيادتها الخاصة للرعاية الصحية للمحتاجين، وخاصة من عائلات الأسرى والشهداء.
انتقلت الدكتورة/ فريا ل البنا إلى الرفيق الأعلى يوم الثلاثاء بتاريخ 31/8/1999م أثر مرض عضال لم يمهلها طويلاً، بعد حياة حافلة بالعمل والعطاء حيث كانت في قمة عطائها، عن عمر ناهر الثامنة والخمسون عاماً.
كانت المرحومة الدكتورة/ فريا ل البنا ملتزمة بالقيم السامية التي تربت عليها وعاشت عليها ضمن أسرتها، عرفت بوطنيتها ومقاومتها للاحتلال من خلال عملها، حيث نذرت نفسها لخدمة الوطن والقضية والشعب.
كانت د. فريا ل البنا أحد تلك العناوين الكبيرة في حركة فتح والعمل النسائي والطبي والتي قدمت دون أن تنتظر أي مقابل أو مكافأة، فالجهد والعمل الذي بذلته د. فريا ل لهو جدير بالاحترام والتقدير الكبيرين من الكبير والصغير.
كانت د. فريا ل تحمل رسالة إنسانية وطنية، توقظ وتلهب بها الشعور الوطني في قلب كل إنسان عرفها، حيث تركت ورائها سمعتها الطيبة وسيرتها النضالية، حيث عاشت حياتها مناضلة صادقة وطنية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، تدافع عن الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
لقد كانت صاحبة تاريخ نضالي طويل، منذ نعومة أظفارها.
حملت د. فريا ل البنا هم فلسطين وشعبها وجرحها النازف منذ طفولتها، حيث كانت بلسماً يضمد جراح أسر الشهداء والأسرى.
المرحومة الدكتورة/ فريا ل البنا، تركت خلفها ستة من الأبناء والبنات المتميزين في تحصيلهم العلمي وعطائهم وهم:
1- الأستاذ الدكتور/ عمار زكريا الأغا – أستاذ طب الغدد الصماء والسكر في مستشفيات جمهورية إيرلندا.
2- المحاسبة/ سمر زكريا الأغا – عضو في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، وأمين صندوق مؤسسة البيت الصامد.
3- الدكتورة/ لنا زكريا الأغا – الأستاذ المشارك في الجامعات الأمريكية.
4- الدكتورة/ هلا زكريا الأغا – الأستاذ المساعد في كلية الصيدلة بجامعة الأزهر.
5- المهندس/ محمد زكريا الأغا – مدير مكتب استشارات هندسة في غزة.
6- المهندسة/ هبة زكريا الأغا – الأولى في الثانوية العامة عام (2000) والتي تحضر حالياً لدرجة الدكتوراه في الهندسة الطبية من الجامعات التركية.
تعتبر الدكتورة/ فريا ل البنا (الأغا) من أشهر طبيبات النساء والولادة بقطاع غزة طيلة ثلاثين عاماً تقريباً، وتخرج على يديها الكثيرون من أطباء النساء والولادة، كما رأى النور على يديها أيضاً الآلاف من الأطفال.
تغمد الله الدكتورة/ فريا ل البنا بواسع رحمته ورضوانه وأسكنها فسيح جناته.

شاهد أيضاً

غدا الذكرى الـ71 لمجزرة الصفصاف

يصادف، يوم غدٍ الثلاثاء، الذكرى الـ71 لمجزرة الصفصاف، التي نفذتها العصابات الصهيونية في قرية الصفصاف …

اترك تعليقاً

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!