فلسطين والكويت.. لُحمة عميقة

يامن نوباني

تعتبر دولة الكويت من أكبر الداعمين لدولة فلسطين في كافة المنظمات والمحافل الدولية دون استثناء، ايمانا منها بأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى والمركزية، وهو ما تجلى بالسعي الكويتي الحثيث لدفع العالم بالاعتراف بدولة فلسطين.
عن تلك العلاقة الاخوية المتينة، حاورت “وفا” سفير دولة فلسطين في الكويت، رامي طهبوب، عن بدايات اللحمة الفلسطينية– الكويتية، حيث قال طهبوب: “ان ميلاد العلاقة بين البلدين بدأت مع إرسال الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس عام 1936 بعثة فلسطينية لتعليم أبناء الكويت؛ ضمت الطلائع الأولى من المدرّسين الفلسطينيين، وكانت تلك باكورة بعثات أخرى استمرت لسنوات.
وأضاف طهبوب: “في عام 1948 (النكبة)، وبسبب الأوضاع التي أنتجها الاحتلال، زاد تدفق الفلسطينيين إلى الكويت عبر الأردن، ومصر، والعراق، إذ فتحت أبوابها لآلاف الشباب الباحثين عن عمل.
وانطلاقا من العام 1948، ومرورا بعامي 1967 و1975 (وهو العام الذي شهد أعلى نسبة سفر للشبان الفلسطينيين الى الكويت)، اعتُبرت الكويت أبرز البلاد التي فتحت ابوابها لاستقبال الفلسطينيين الباحثين عن العمل وفرص الحياة الافضل، ليجدوا فيها ايضا حرية نسبية مقارنة بغيرها من البلدان العربية.
وحتى عام 1991 شكّل الفلسطينيون الجزء الأكبر من القوى العاملة في الكويت، إذ بلغ تعدادهم نحو 400 ألف، من مجموع سكان البلاد (مليوني نسمة)، نصفهم ولد وعاش هناك.
وواصلت الكويت تقديم الدعم المادي والسياسي للقضية الفلسطينية، وفتحت أبوابها للوفود والتجمعات والشخصيات الفلسطينية، وفي الفترة الأخيرة استمرت العلاقات في التحسن، إذ عادت الساحة الكويتية تشكل قاعدة تمد الشعب الفلسطيني بالمال والمواقف السياسية، التي كان آخرها رفضها الموقف الأمريكي بشأن القدس.
وعن تشكيل “اللجان المشتركة”، قال طهبوب: “في زيارة تاريخية لدولة فلسطين هي الأولى من نوعها لمسؤول كويتي رفيع المستوى، قام وزير الخارجية الكويتي معالي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح بزيارة رسمية لدولة فلسطين منتصف ايلول/ سبتمبر عام 2014، تم على أثرها إطلاق اللجنة الفلسطينية الكويتية العليا المشتركة على مستوى وزيري خارجية البلدين، وكذلك التوقيع على مذكرة مشاورات سياسية مشتركة للتنسيق الدائم والتعاون المشترك على الأصعدة كافة بين دولة فلسطين ودولة الكويت”.
وحول التبادلات التجارية ونوعية الدعم المقدم، قال طهبوب: “تقدم دولة الكويت وبشكل دائم الدعم الاقتصادي لدولة فلسطين من خلال الصندوق الكويتي للتنمية، كذلك تم إقامة معرض المنتجات الفلسطينية الأول شاركت فيه أغلب قطاعات الإنتاج في فلسطين، وتم من خلال هذا المعرض تقديم المنتجات الفلسطينية والتعاقد مع الشركات الكويتية لتوريد المنتجات من فلسطين، وبمختلف المجالات وبالأخص المواد الغذائية والحجر، وبناءً على نجاح المعرض الأول أقيم المعرض الثاني للمنتجات الفلسطينية”، مشيرا الى ان الصادرات الفلسطينية الى الكويت شهدت تطورا ملحوظا، فقد قفزت من 850 ألف دولار سنة 2007، إلى 4,7 مليون دولار عام 2016.
وعن الدعم المالي، أوضح طهبوب أن الكويت تدعم الموازنة الفلسطينية وبشكل دائم، وصرفت دولة الكويت في قطاع غزة حتى العام 2017 نحو 200 مليون دولار أميركي، عبر تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية، فضلا عن المساهمة في تنفيذ مشاريع بناء وترميم مساجد ومدارس.
وأضاف: “كذلك ساعدت الكويت في تقديم مساعدات نقدية عاجلة لأصحاب البيوت التي دمرت بشكل كامل، خلال العدوان على غزة أعوام (2008، 2012، 2014)، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية للجرحى، وقدمت المساعدات والطرود الغذائية للأسر التي نزحت عن بيوتها، ونفّذت مشروع إعادة إعمار 202 وحدة سكنية في القطاع (التخصيص الرابع)، بأكثر من 6 ملايين دولار، بتمويل من برنامج دول مجلس التعاون لإعادة إعمار غزة”.
وفي مطلع العام الجاري، تعهدت الكويت بتقديم نصف مليون دولار لدعم أجندة منظمة العمل الدولية بشأن “العمل اللائق” في الأرض الفلسطينية المحتلة، وذلك في إطار دعمها السنوي المستمر، كما واستجابت لمناشدة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بشأن الأزمة الإقليمية في سوريا، إذ تبرعت بـ900 ألف دولار للوكالة الأممية المعنية بشؤون اللاجئين الفلسطينيين.
أكاديميا، قال طهبوب: “لا بد من القاء الضوء على الدور الذي قام به الفلسطينيون في بناء دولة الكويت، حيث ساهموا في النهضة التعليمية في الكويت منذ العام 1936، وكانت أول بعثة تعليمية في الكويت من المدرسين الفلسطينيين تتكون من أربعة معلمين وهم (أحمد شهاب الدين، وخميس نجم، ومحمد المغربي، وجابر حسن حديد)، وكان الضابط الفلسطيني خليل شحيبر هو الذي نظم جهاز الشرطة الحديث في الكويت قبل الاستقلال وبعده وشقيقه جبرا شحيبر، وفوزي الخضرا من مؤسسي الجيش الكويتي”.
وتابع: “للعلم فإن الأخوين شحيبر أصولهما من آل شحيبر المسيحيين بغزة، وكان لهم بعد ذلك ذرية في الكويت ما زالت موجودة حتى يومنا هذا، منها هاني شحيبر أشهر طبيب متخصص في القلب في الكويت، ومنهم سهيل خليل شحيبر سفير الكويت في سويسرا سابقا، وعميد السفراء العرب هناك، وغيرهم الكثير في مواقع ومناصب متقدمة في الدولة”.
وأضاف طهبوب: “كان الفلسطيني طلعت الغصين أول سفير كويتي في واشنطن، وكان حسن الدباغ الفلسطيني الأصل ايضا اول سفير كويتي في لندن وبعد ذلك سفير الكويت في سويسرا، وكان أول مندوب كويتي في الامم المتحدة فلسطينيا، وكان الطبيب الشخصي للأسرة الحاكمة فلسطينيا وهو ناظم الغبرا، وابنه شفيق الغبرا مدير المكتب الاعلامي في السفارة الكويتية في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان الفلسطيني الأصل عدنان شهاب الدين هو ممثل الكويت في “اوبك” وكان مؤخرا مرشح الكويت لرئاسة منظمة “أوبك”، وكان مدير مكتب الشيخ عبد الله السالم الصباح أمير الكويت السابق هو الفلسطيني هاني القدومي، وكان الفلسطينيون يديرون استثمارات في الكويت قبل الغزو تقدر وحسب جريدة القبس الكويتية بـ11 مليار دولار، ورئيس أكبر بنوك الكويت وهو بنك الكويت الوطني ما زال حتى وقت قريب فلسطينيا يحمل الجنسية الأردنية وهو ابراهيم شكري دبدوب، وما زال حتى اليوم الفلسطينيين يملكون شركات من أكبر الشركات الكويتية أما بالكامل أو بنسب وحصص متفاوتة، منهم على سبيل المثال سعد القدومي (صفوان للتجارة والمقاولات) وهي شركة كبيرة مدرجة في البورصة الكويتية ولها مشاريع كبيرة في الامارات والعراق، وعمر القوقا احد مؤسسي شركة “جلوبل” الكويتية المعروفة وغيرهم الكثير”.
وفي مطلع العام 2016 كشف وزير التربية والتعليم العالي الكويتي السابق بدر العيسى، النقاب عن إجراءات اتخذتها الحكومة الكويتية لإعادة توظيف المدرّسين الفلسطينيين، مرجعا عودة الوزارة إلى الاستعانة بالمعلم الفلسطيني بعد انقطاع طويل، إلى” مستواه المرموق وتميزه في القطاع التعليمي خلال الفترة التي عمل بها في الماضي.
وفي تصريحات صحفية، قال إن القطاع التعليمي في الكويت كانت له تجربة ناجحة ومتميزة في الاستعانة بالمعلمين الفلسطينيين، حيث أثبتوا كفاءة وقدرة على إثراء العملية التربوية في الدولة، الأمر الذي ساهم في إقرار إعادتهم.
وأوضح، توجهت لجنة وعلى مستوى رفيع للتعاقدات مكونة من 9 أعضاء، على رأسهم الوكيل المساعد للتعليم العام د. فاطمة الكندري (رئيس الوفد)، وقابلت المعلمين الفلسطينيين المترشحين للوظائف، ووصلت الدفعة الأولى من المعلمين إلى الكويت في اب/أغسطس 2017، إذ تعاقدت وزارة التربية عن طريق بعثتها في رام الله مع 105 معلمين فلسطينيين، للعمل في المرحلة الثانوية في مادتي العلوم والرياضيات وكان عدد الملتزمين بالتعاقدات (43) معلما ولأسباب مختلفة شخصية، مادية.
وفيما يخص موقف الكويت من الاعتراف بدولة فلسطين، أوضح طهبوب: “برزت المواقف الداعمة لدولة فلسطين حين هاجم رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، الوفد البرلماني الإسرائيلي، خلال المؤتمر الـ137 للاتحاد البرلماني الدولي، الذي انعقد في أكتوبر الماضي، بمدينة سانت بطرسبورغ الروسية”.
موقف الغانم الذي أشاد به سمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أجبر الوفد البرلماني الإسرائيلي على الانسحاب من اجتماعات الاتحاد البرلماني، أثناء إقرار التقرير الخاص بأوضاع النواب الفلسطينيين في سجون الاحتلال.
كما تقوم بعض الجمعيات (النقابات) بإحياء المناسبات الفلسطينية (يوم الأسير، يوم الأرض، اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، كذلك حضور الفعاليات التي تحييها السفارة)، كما تشكلت لجان تختص بالقضية الفلسطينية داخل جهات رسمية وجمعيات من مثل لجنة فلسطين في مجلس الأمة، لجنة فلسطين في جمعية المحامين، لجنة فلسطين في الهيئة الخيرية الاسلامية العالمية وغيرها.
كما تنشط العديد من الشخصيات الكويتية الداعمة وبشكل كبير للقضية الفلسطينية من خلال الندوات المقامة ومن خلال المقالات في الصحف الر سمية.
كما لا يخفى الدعم الكبير الذي تقوم به دولة الكويت في المحافل الدولية وموقف الكويت المشرف في الأمم المتحدة وتصديها لعدة قرارات تضر بدولة فلسطين ودعمها لأي قرار في صالح دولة فلسطين، وتصدي السفير منصور العتيبي مندوب دولة الكويت الدائم لدى الأمم المتحدة الذي قال “ان دولة الكويت تعهدت قبل أن تتسلم مقعدها غير الدائم في مجلس الأمن مطلع هذا العام 2018 ببذل كل المساعي والجهود لدعم القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب والمسلمين”.
وأوضح السفير العتيبي في جلسة لمجلس الأمن الدولي “إن هذا التعهد يأتي انطلاقا من التزام الكويت الثابت والمبدئي في حمل هموم وتطلعات الشعب الفلسطيني الشقيق نحو اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية من خلال تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة”.
واعتبر مشاركة الرئيس محمود عباس في جلسة مجلس الأمن وأثناء تولي الكويت الرئاسة “فرصة ثمينة نتشرف بها أتاحت للجميع الاستماع بشكل مباشر إلى صاحب هذه القضية العادلة وما يتوجب علينا القيام به كأسرة دولية بهدف الالتزام بما نصت عليه مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة في سبيل تمكين الشعوب من تقرير مصيرها”.
كما ساندت دولة الكويت مؤخرا بتوزيع مشروع القرار القاضي بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني في مجلس الأمن الدولي.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

فتح ميديا أوروبا
Exit mobile version