ذكرى رحيل المعلم والمؤسس فتحي محمد قاسم البلعاوي ( أبو الوطنية ) كتب لواء ركن/ عرابي كلوب

القائد والمعلم/ فتحي محمد البلعاوي (أبو غسان) رجل من رجالات فلسطين، ومن الرواد الأوائل، ولا يقل في المكان والاهمية عندما يتم تسجيل تاريخ إرهاصات ومخاض الثورة الفلسطينية المعاصرة، فهو واحد من المؤسسين لها، لقد ظل أبو غسان وفياً لعهد الثورة، أميناً على اهدافها، ومبادئها، حتى بعدما انخرط في سلك التربية والتعليم.
ولد/ فتحي محمد البلعاوي بتاريخ 23/8/1929م في قرية بلعا قضاء طولكرم وترعرع فيها، ودرس المرحلة الابتدائية والإعدادية في كل من مدارس قرى بلعا وعنبتا التابعتين لقضاء طولكرم، ومن ثم حصل على الثانوية العامة من مدينة يافا.
اختزن الطالب/ فتحي البلعاوي كل ما نجم عن نكبة وتشريد الشعب الفلسطيني من أرضه عام 1948م حيث شاهد بأم عينه وهو شاب يافع في مقتبل العمر.
سافر الطالب/ فتحي البلعاوي إلى القاهرة للدراسة حيث التحق بجامعة الأزهر لدراسة اللغة العربية فيها، وكان من ضمن الذين التحقوا بجماعة الإخوان المسلمين شأنه شان الشباب الآخرين الذين التحقوا في عدة أحزاب أخرى.
كان لفتحي البلعاوي قلم ملهم سيال، ولسان طليق، ومتحدث لبق، لقد كان ضميراً يقضا ً.
كان الطالب/ فتحي البلعاوي والطالب ياسر عرفات قطبي رابطة الطلاب الفلسطينية في القاهرة، أحدهما الداعية المفوه، وثانيهما لولب الحركة والتنظيم، وكلاهما كانا أمينيين على التاريخ.
أثناء دراسته في جامعة الأزهر شارك في العديد من المظاهرات أدت إلى اعتقاله من قبل السلطات المصرية وذلك عام 1953م وأودع السجن وبعدها رحل إلى قطاع غزة، حيث عمل مدرساً في مدارس مخيم البريج للاجئين، قبل أن يتمكن من الحصول على شهادة الليسانس من الجامعة، حيث بدأت رحلة حياته المهنية بها، أصبح فيما بعد أول نقيب لنقابة المعلمين الفلسطينيين في قطاع غزة والتي ساهمت بشكل كبير في تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني.
قاد المربي/ فتحي البلعاوي وزملاءه المظاهرات المناهضة لتوطين اللاجئتين الفلسطينيين في صحراء سيناء منتصف الخمسينيات من القرن الماضي.
كان فتحي البلعاوي خطيباً مفوهاً، أشتهر خطاباته النارية والثورية أثناء القاءه أمام الجماهير، حيث عرف عنه أنه جريء وشجاع، لقد كان شعلة لا تنطفئ في معركة الشباب الثائر في قطاع غزة.
اعتقل المربي/ فتحي البلعاوي مرة أخرى من قبل الإدارة المصرية في قطاع غزة عام 1955م وسجن لمدة سنتين، حيث ثم الافراج عنه فيما بعد عام 1957م، بعدها سمحت له السلطات المصرية بتقديم امتحانات الجامعة وذلك عام 1960م.
فتحي البلعاوي كان محركاً لطاقات القطاع التي كانت تندلع على أرض المظاهرات كرد على المواقف السياسية من مشروع التوطين في صحراء سيناء، والهتافات التي كانت يرفعها المتظاهرون (لا توطين ولا أسكان يا عملاء الأمريكان) وحتى سقوط القطاع مرة ثانية في أيدي قوات الاحتلال الصهيوني عام 1967م.
عام 1962م غادر المربي/ فتحي البلعاوي القطاع متوجها الى الدوحة عاصمة قطر بعد ان تم تعاقده مع وزارة التربية والتعليم وليساهم في اللبنات الأولى للنظام التربوي في دولة قطر، مع أخوه وزملاء له ليشكلوا حينها أحدى المجموعات المؤسسة لحركة فتح في قطر.
لقد ظل منزل المربي/ فتحي البلعاوي مقصداً للحلقة الضيقة من صانعي الثورة الفلسطينية وقادتها يستلهمون منه الرؤية السديدة والنصح المخلص.
لقد كان المربي/ فتحي البلعاوي يتحدث بمنطق الحق، وبإرادة التمرد على الواقع والرافض للهزيمة وأسبابها، فإنه يقدم لنا برهاناً ملموساً على أن الراية ستظل مرفوعة، وأن ثقافة الهزيمة لن تهيمن ولن تطغى على الأذهان.
كان من مبلغ احساسه بالواجب أنه لا يتأخر عن مناسبة في احتفال وطني أو مناسبة اجتماعية، خطيباً، أو مستمعاً، أو مجاملاً.
لقد أشتهر في عطاءه المتوثب، ومبادرته إلى أداء الواجب، كان أنساناً نموذجياً، تتمثل فيه فضائل وأحوال قلما تجتمع معاً، فهو على عناده في الحق، وتصلبه في العقيدة الوطنية، إنسان لطيف المعشر، ليس في مقدور أحد أن لا يحبه، ربما لأنه لم ينطو على كراهية لأحد ولم يزاحم أحد على منصب أو مكسب.
هذه الشخصية الفذة للمربي الفاضل/ فتحي البلعاوي (أبو غسان) الخليط من الإيمان والتوكل، ومن الإرادة الصلبة والتوثب، ومن البساطة والخطر، ومن البداهة والفكر، ومن الفكاهة والجد، مرت كلها بنا كما يمر شهاب بارق.
قام المربي/ فتحي البلعاوي بكتابة وتأليف العديد من الكتب، وكذلك ساهم في انشاء مجلة العروبة في قطر.
الأستاذ/ فتحي البلعاوي من الكتاب المخضرمين الذي كتب العديد من المقالات في الأدب والسياسة في العديد من الصحف.
على أثر احتلال العراق لدولة الكويت عام 1990م قررت السلطات القطرية الطلب من الأستاذ/ فتحي البلعاوي وزملاء آخرين مغادرة دولة قطر، فتوجه إلى تونس حيث أصدر الرئيس/ أبو عمار قراراً بتعيينه مديراً عاماً لمدرسة القدس لأبناء الشهداء في تونس، وكذلك بالإضافة إلى منصبه كممثل دولة فلسطين في منظمة العلوم والثقافة لدى جامعة الدول العربية.
بعد توقيع اتفاق أوسلو وعودة قيادة المنظمة وانشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عاد المربي/ فتحي البلعاوي (أبو غسان) إلى قطاع غزة حيث صدر قرار بتعيينه وكيلاً لوزارة التربية والتعليم.
بتاريخ 23/6/1996م توقفت نبضات قلب القائد الكبير/ أبو غسان عن الخفقان بعد أن اعتلت صحته وضعف بدونه وذلك في إحدى المستشفيات في العاصمة الأردنية عمان، وبناءً على وصيته وورى الثرى في مسقط رأسه قرية بلعا.
الأستاذ فتحي البلعاوي متزوج وله سبعة من الأبناء والبنات وهم: (غسان، هشام، بسام، حسان، صلاح، ياسر، نهيل).
أقام الرئيس/ ياسر عرفات بيت عزاء للقائد الكبير/ أبو غسان في غزة حيث توافدت القيادات الفلسطينية السياسية والعسكرية وجمهور غفير من المواطنين الذين اتوا للتعزية بالمربي الكبير.
لقد غاب جسد فتحي البلعاوي (أبو غسان) أبو الوطنية الفلسطينية كما كان يطلق عليه من قبل زملاءه، لكن ذكراه وروحه الطيبة المرحة ما زالت حية فينا في قلوبنا وفي ضمائرنا.
أبو غسان لم يكن يوماً من الأيام يطمع في منصب حيث رفض كل المناصب رغم أنه من المؤسسين لحركة فتح.
المناضل الكبير أبو غسان صاحب المواقف والمبادئ والأخلاق التي كان من أحرص الناس على التمسك بها في كل محطات حياته الخاصة والعامة لقد كان أبو غسان مجبولاً بالوطن، حيث اعتقل وسجن وعذب، وهاجر وشرد، ورحل، من أجل الوطن، الا أنه كان الوطن مسكون فيه.
رحمك الله يا أبا الوطنية وأسكنك فسيح جناته،،

شاهد أيضاً

الشام.. «فوتو كوبي» أو «فوتو شوب» !

بقلم: حسن البطل …. وأخيراً، تذوّق صاحبي شيئين أو ثلاثة من نكهة شامية باقية في …

اترك رد

Translate »