كتب بكر أبوبكر بعد العشر العجاف، من يظلم غزة اليوم؟

كتب بكر أبوبكر بعد العشر العجاف، من يظلم غزة اليوم؟

إن اللوم سهل والأسهل منه أن يتم توجيهه للآخر، أن اللوم ووضع المسؤولية كاملة لما وصل إليه الحال أو تدهور المآل على كتفي شخص واحد دون سواه، مهما علت منزلته أو مرتبته أومنصبه، لا أظنه إلا اجتزاء وابتسارا وتهوينا وخروجا عن الموضوعية.

وإن محاولة تحميل المسؤولية عن التدهور السياسي والاجتماعي لعامل وحيد أوحد أي لذات الشخص -حتى لو كان الرئيس- وتنزيه الذات الشخصية أو الفصائلية أو المجتمعية أو غيرها من العوامل عن المسؤولية لهو البطلان بعينه.

الانقلاب في غزة يتجاوز الأسماء

يشهد القاصي والداني أن ما كان له السبب في تدهور الحالة، ولنحدد المقصود بوضوح وهي الحالة الفلسطينية في غزة من انقلاب أفضى إلى انقسام سيؤدي لانفصال، يتجاوز الشخص والمنزلة والأسماء، ليرتبط فيه المحلي مع الإقليمي المنتفع، ومع العالمي الانتهازي، بل ومع الإسرائيلي صاحب المصلحة الأولى الذي تسعى لإرضائه شمالا وجنوبا العديد من الشخصيات من طباخي السم لدى الإطراف الوطنية المتنازعة.

إن عشر سنوات من الانقلاب الدموي، ومحاولات رأب الصدع لم تؤتِ أكلها، وكانت النتيجة أن استطاع الاسرائيلي تفتيت المجتمع وتفتيت النظام السياسي، بل وبناء قاموس خطاب جديد يضع فيه الفلسطيني الغزي مقابل الفلسطيني بالضفة، بل ونجد من يلحّن لهذه النغمة ويلعب عليها قاصدا متعمدا، ومتهما.

المقاومة والفضل!

لعلك ترى الراحة العسكرية والأمنية والسياسية لدى الاحتلال الإسرائيلي نتيجة هدوء المدافع في غزة، ومن غزة باتجاه الاحتلال ضمن هدنة طويلة و(تعاون-حسب مصطلح حماس) أو”تنسيق أمني” حافظ للأمن الاسرائيلي من قطاع غزة، ومنع أي رجم لحجر عبر السلك في تنسيق التفافي غير مباشر، يقابله هدوء آخر بالضفة بتنسيق أمني محكوم باتفاقية علنية.

إن كانت المقاومة الشعبية السلمية خيارا فلسطينيا منذ العام ٢٠٠٥، فهي أصبحت خيارا لكل الفلسطينيين حتى لدى فصيل “حماس” في غزة بعد سنوات عشر عجاف، وفي ظل شرعنة جديدة لذلك بالوثيقة الجديدة.

فهل نقول أن الفضل في تبني هذا الخيار يعود وفق المثل القائل “رب ضارة نافعة” أي يعود للحروب العدوانية الصهيونية على غزة؟ التي ركّعت وطوعت وسهّلت؟ وفتحت في العقل طاقة لفهم الموازين على حقيقتها؟

أم أن الفضل يعود لاستحكام الحصار، وانكشاف أصحاب الشعارات الخلابة التي لا تطعم من جوع ولا تحمي من خوف؟

أم يعود تبني المقاومة الشعبية دون سواها لسقوط راية الكفاح المسلح وأخرها لدى حماس بعد ثبوت استغلال المحاور الإقليمية للرصاصة والحجر والتنهيدة؟

أم أن الفضل لتبني المقاومة الشعبية ما لا نعترف به أبدا يعود بالحقيقة لبُعد النظر والقدرة على رؤية المتغيرات والفهم المسبق للمستجدات، وهو ما ميز قيادة حركة فتح، ووعته حماس بعد سنين عشر، واثر عديد اللطمات والطعنات والوعود الكاذبة من القريب والبعيد، فكانت وثيقتها إيذانا بنزع ثوب مرحلة ولبس ثوب جديد؟

الثلاثية الشيطانية والرباعية الظالمة

إن إلقاء التُهم جزافا مقرونة بالثلاثية الشيطانية من: “التشهير والتخوين والتكفير” هي مما أدمنته عديد التنظيمات الفكرانية (الأيديولوجية) عامة، ومنها ما أدمنته أبواق سلطة تيار حماس الانقلابي في غزة، والتي لا تكف فضائيتها ومواقعها عن بثه في وعي الأطفال والشباب، كما في وعي المصلين بالمساجد، ومازالت تسير عليه دون نقد للذات أو المراجعة للخطاب أوالاعتراف بالخطيئة أبدا، لذا فكل عمل يأتي من سوانا باطل حتى لو كان يفيض عسلا أويسعى لخير، وما الجديد في ذلك ونحن أبدا أهل الحق ومن هم سوانا أهل البدع أو الباطل؟

في غزة يحاول التيار الانقلابي الحمساوي أن يدمج متعمدا في وعي الناس بين أربعة هي: المواطن الفلسطيني الغزي، والحمساوي، والمقاومة، والإنسان المسلم، ليصبح الكل واحد فحين تتحدث عن المقاومة أوالمقاوم فأنت تتحدث قصرا عن الحمساوي، والحمساوي يعني أهل غزة، وعندما تتحدث عن المعاناة لحماس فهي معاناة أهل غزة بمعنى تقاسم المعاناة والمسؤولية بينهما لا فرق.

تتغنى حماس بالإسلام الحصري، وبالمقاومة، لتربط بينهما وبين غزة وبينها، فلا نستبين الفرق بين الأربعة، لذا تتحدث حماس عن نفسها كأنها الممثلة لله، و/أو الممثلة لكل أهل غزة وبذات الوقت الممثلة للمقاومة في خلط ما استقام يوما.

يعني كل هذا بالوعي الشعبي أن حماس فقط هي من تحمل غزة وهي فقط من تحمل المقاومة وتحمل معاناة كل أهل غزة على كتفيها كما تحمل الدين، وبالتالي يقف الأربعة كلهم في واحد مقابل السلطة والرئيس والضفة والتنسيق الأمني في معادلة معيبة وفي لعبة مكشوفة يقصد بها تشطير الوعي الوطني باستجداء أهلنا في غزة، والتحريض المستمر لطرف شعبي على آخر، وتحميل المسؤولية لطرف واحد مع تعمد إغفال دور “حماس” الرئيس من جهة، وإغفال المسؤول الحقيقي والأول عما آلت له الأمور في القطاع وهو شارون.

شارون أبوالانقلاب والكراهية

شارون هو الذي زرع بذرة الانقلاب والانشقاق والشقاق والكراهية والحقد بين الأخوة بإعادة انتشاره أو تموضع قواته المحتلة من غزة المحتلة مع الضفة حتى اليوم، إذ بدلا من أن نعي وقوعنا بالفخ والمكيدة نصّبنا سلطة موازية بغزة بعد الانقلاب الدموي عام 2007، وبدعم إقليمي بائس، وظننّا كتيار انقلابي في حماس إمكانية الجمع بين حدة النظر وقصر النظر، أو بين فن تحقيق المكاسب من حيث هي السلطة، وفن التضحية من حيث هي الثورة؟

في غزة نحكم كفصيل بشكل واضح بلا شريك ولو شكلي، ونؤمم المساجد للفصيل، ونكمم الأفواه ونحجب ما نريد، ونمنع المقاومة كليا عبر الحدود، ونرسم للناس حد الفقر بسيل الإتاوات والضرائب بلا قانون، ونرجم الفرحة وندعو للكراهية فمن ليس معنا كفصيل فهو يكرهنا وهكذا تسرى الإشاعة السوداء أن أهلنا بالضفة يكرهون اخوتهم في غزة كالنار بالهشيم؟!

نكبل أبناء شعبنا في غزة بالصبر (هو بالحقيقة اليأس) عزفا على وتر التطويع للآيات لمصلحة حزبية فتصبح كل مآسينا من خارجنا ونحن “الأربعة معا” الصابرون.

لا نطلب من أهلنا الفلسطينيين في غزة أن يسامحونا على ما نفعله بهم، فليس لهم الكلام أوالشكوى أوالقول إلا ما نقول كما حال فرعون مع قومه، حتى الاحتجاج منهم على عدم وجود أي هواء أو نور يبدد الظلمة، أوانتخابات في أي نقابة أو مؤسسة أو بلدية أو جامعة يدخل في ذات الباب، أي باب الهواء المسدود وهو باب الحكم الاستبدادي للفصيل حيث يصبح المنع هو القانون والإباحة هي الاستثناء فنعكس الشريعة ونلغم الفكر ونفجر الرؤوس.

من يظلم غزة؟

الحصار الظالم على غزة تشارك به بكل وضوح “الجماعة” التي اختطفت القطاع لأهداف حزبية، معتقدة أنها في نزهة! فليس هي بذلك من الإسلام بشيء، ولا من المقاومة بشيء، ولا من الديمقراطية، ولا من العدل! فأي شيء هي إن لم تكن استقتال على السلطة والكراسي والامتيازات دون الناس، والحكم والتحكم ما هو “استعلاء وتمكين”؟ يجر للناس البلاء، وللحكم البريق والتزيين!

الحصار الظالم على غزة أنزله العدو الإسرائيلي على رؤوسنا عقابا على صمود فلسطينيي غزة الذين أرعبوا العدو منذ الخمسينيات على الأقل فتمنى قادتهم أن يبتلعها البحر منذاك التاريخ، والحصار الظالم هو الحصار الذي أوقعه شارون مهندس الانشقاق والانقلاب والتأسيس للكيانين المتباعدين بحيث يصبح شعار الدولتين هو ليس دولة (إسرائيل) على أرضنا ودولة فلسطين، وإنما دولة أوإمارة غزة ودولة أوإمارة الضفة وكلاهما تحت الاحتلال. بلا جدال.

الحصار الظالم على غزة فلسطين شارك به الأقارب والأباعد من القوى العربية والاقليمية التي أمدت هذا الطرف بالسلاح ليقتل أخيه تمهيدا للربيع الأسود منذ العام ٢٠٠٧ وصولا للعام ٢٠١١ فتقع الواقعة وتنشق الأمة فتصبح كثيرا كغثاء السيل، وتشنق المحاور نفسها بحبل غليظ من الاستعمار الصهيوني الأمريكي الذي فتتنا أكثر مما نحن مفتتين في شرق الأمة وغربها. وما زلنا نستمع لشعاراتهم الكاذبة وأيديهم من تحت الطاولة في يد العدو.

هل غزة هي حماس؟

الحصار الظالم على غزة لم يكن ليفهم في مظاهره التي تؤذينا في غزة من كهرباء وماء ومجاري وإتاوات فصائلية ومعبر وحركة واقتتال وفقر وعدوان ومرض وهدم…إلا في ضوء فهم العقليات المغلقة التي تخطيء ولا تعترف، وتناور ولا تستقيم، وتداور ولا تحاور، وتتملص ولا تلتزم وتمنى النفس بالمستقبل وليذهب الناس إلى الجحيم، وهي ذات العقليات التي تقدس السلطة والقوة والتحكم وصولا لما هو أسمى كما يظنون بالمحلوم به، حيث وعد الله ولو على رقاب العباد، وما هو إلا وعد الشيطان.

في إطار الظلم يتم تصوير الأمر بشكل مجزوء، وكأن خطايا “حماس” وعدم استجابتها تتحملها غزة!

لذا فكل ما يضر بالفصيل يتم قولبته في الخطاب الحمساوي وكأنه موجه لشعبنا الفلسطيني في غزة! بمعنى أنه حين يطلب من “حماس” أن تلتزم بالشرعية في أمر ما، مثل وقف الإتاوات على الناس، أووقف استغلال المساجد أو إجراء الانتخابات أوتمكين الحكومة من عملها، أووقف التحريض والتكفير والتخوين، أووقف فرض الضرائب المتعددة على كاهل الناس وتسليم السلطة وغيرها يتم إظهار الأمر بتبعاته، وكأنه موجه للشعب في غزة! وليس ضد سياساتها هي فقط.

بمعنى آخر يتم تصويرالأمر بالخطاب الحمساوي أن المطلوب من هذا الشعب أن يركع وينخ ويجوع ويتوب في ربط غير سليم وتحريض مقصود بين مطالب الاستجابة من “حماس” بتحويلها وبالا على الناس، ما يلبي غرائز الحقد والضغينة والعداوة التي ما فتأت أبواق النعيق في فضائيات الفتنة ترددها منذ الانقلاب بلا كلل ولا ملل، ونقول أننا نريد مصالحة؟

الرقبة الغليظة

يقول د.أحمد يوسف مشخصا وملخصا الحال في غزة إنها (لقمة العيش والكرامة، والحاجة إلى الأمن والاستقرار وستر الحال)، وهو ما يسقط لدى التيار الانقلابي في “حماس” نظرية غزة بحكمهم تمثل جنة الله في أرضه!

لا أقبل بعد كل هذا أن يتم وضع وزر الانهيار والدمار والخراب والحصار لفلسطين وغزة في رقبة رجل واحد، مهما غلظت رقبته، والعوامل في ذلك مما عددناها الكثير ما يوجب على القيادة الرشيدة والحكيمة وذات الرأي السديد في كل الفصائل شمالا وجنوبا أن تعود للجذور، فنحن شعب واحد، وفلسطين لنا وتحريرها هدفنا، وما المصالح الحزبية الآنية للعقليات الانقلابية التي يأكلها الحقد في أي مكان أو فصيل وجدت، ما هي إلا زبد، سيكتشفه الشعب وحينها لا ملامة ولا عتب.

بعد عشر سنوات عجاف لا تنفع أنصاف الحلول، ولا ينفع الإمساك برقبة شعبنا بغزة رهينة لمصالح حزبية.

بعد عشر سنوات عجاف لا تنفع الشعارات ودعوات الدعم المربوطة بالمساعدات المحدودة والتكافل، كما لا تنفع الدعوات بلا قطران، أومطالب الإغاثة الفردية العاجلة أو الآجلة.

بعد عشر سنوات عجاف لا ينفعنا إلا النقد الذاتي المر، والمصارحة الذاتية والجماعية، والاعتراف بالحقيقة وعِظم الخطيئة، وتمكين الفكرة والقانون، والعودة للشعب، والتخلص من رؤوس الفتنة المحرضين، وتحقيق الوحدة الوطنية والمشاركة، والرجوع عن الباطل، باطل الانقلاب، واتباع خطوات العدو، بالعودة إلى الحق والحق أحق أن يتبع.

 

اترك رد

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا is Stephen Fry proof thanks to caching by WP Super Cache