كوبنهاغن: عربيات يناقشن مشاركة المرأة في السياسة

بدا الحضور العربي بارزاً في المؤتمر العالمي عن مشاركة المرأة في السياسة، الذي نظم بمناسبة مرور 100 عام على حق المرأة الدنماركية في الانتخابات البرلمانية، إلى جانب وفود آسيوية وأفريقية وأوروبية (250 مشارك/ة من حول العالم)، من قبل “المركز الدنماركي لبحوث النوع الاجتماعي والمرأة (كفينفو)” والمركز الدنماركي للأحزاب والديمقراطية، وبرنامج المبادرة العربية الدنماركية، في مبنى وزارة الخارجية الدنماركية.

وتمثل الحضور العربي بمنظمات وحركات نسوية وبرلمانيات وكتاب وصحافيين وأكاديميين، شمل عددا من الدول المغاربية، أهمها تونس والمغرب، ومشاركة يمنية وأردنية وفلسطينية ومصرية.

الاهتمام الدنماركي، حسب ما قال لـ”العربي الجديد” مدير المركز الدنماركي للأحزاب والديمقراطية، بيورن فرودا، “لا يهدف إلى تقديم نموذج معين ولا حتى دنماركي حول المشاركة النسوية الديمقراطية، بل لإلقاء الضوء على التجارب العامة للاستفادة منها حول العالم”. وهو أمر حرصت عليه أيضا الوزيرة السابقة “لونا دوبكيير”، التي أدارت جزءاً من حوارات المؤتمر بين الوزيرة الأردنية للتنمية الاجتماعية، ريم أبوحسن، وعدد من الوزراء الآسيويين والأفريقيين، في قولها لـ”العربي الجديد” إن المسألة “تتعلق بتبادل التجارب، والاستفادة مما مررنا به كنسوة دنماركيات، حيث لم يكن الأمر سهلاً علينا للوصول إلى مشاركة ديمقراطية”.

وعلى مدى يومين (3-4 يونيو)، جرت مناقشة أبرز التحديات التي تواجه المرأة حول العالم بالنسبة لمسائل المساواة في المشاركة السياسية والبرلمانية، والبحث عن إنصاف الحركة النسائية، مع التركيز على أن بناء المجتمعات الصحية وتقدمها لا يمكن أن يتم بمعزل عن مشاركة نصف المجتمع في اتخاذ القرار وتحمل المسؤوليات على كل المستويات.

وحرص المتداخلون والمتداخلات في هذا المؤتمر على أن “النماذج والحالات الوطنية المحلية” هي الأساس في خلق تطور في مجال إشاعة الحقوق الأساسية للنساء في الإطار العام لحقوق الشعوب، وبعيداً عن استيراد أي نموذج غربي، بل بالتركيز على الآليات والأدوات التي أدت إلى أن يضم البرلمان الدنماركي 40 في المائة من النساء، على سبيل المثال، وأن تكون سيدة هي رئيسة الوزراء بعد مائة عام من كفاح المرأة.

وفي هذا المجال، طرح المضيفون الدنماركيون وعلى لسان وزراء وبرلمانيات، سلبيات كثيرة تعترض الوصول إلى مساواة كاملة في مجتمعهم، رغم أن الصورة تبدو وكأن نسبة 40 بالمائة مرتفعة، وهو ما ركزت عليه عضوة البرلمان الأوروبي، بريتا تومسن، عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والتي عملت في السياسة 40 عاماً بالقول “رغم الصورة الوردية، إلا أننا نحتل المكانة 72 عالمياً من حيث مشاركة النساء في مفاصل اتخاذ القرار، ومازالت الأحزاب السياسية تضع 10 رجال مرشحين مقابل 3 نساء فقط على القوائم”.

في الجانب العربي، برزت السيدة بسمة السوداني بلحاج، رئيسة رابطة الناخبات التونسيات، وهي تعرض للتجربة التونسية والعربية بعد الربيع العربي، حيث أكدت أنه رغم التحديات الكبيرة “بعد الثورة التونسية أصبحت مسألة المشاركة في الانتخابات تحمل من الأهمية ما يجعلها فاعلة في المجتمع، إذ إن التصويت أصبح أكثر جدية”. وقالت بلحاج لـ”العربي الجديد”: “بعد الربيع العربي أخذت المرأة العربية على عاتقها أن تصل إلى حقوقها بنفسها من خلال الدفع نحو تعزيز حضورها ومشاركتها في بناء نظام ديمقراطي في بلدنا على سبيل المثال. وقد أسهمت عملية إبعاد العسكر عن السياسة في أن تكون مؤسسات المجتمع المدني في الطليعة”.

لكن بلحاج انتقدت في ذات الوقت الأحزاب السياسية في بلدها، وفي العالم العربي عموماً بالقول: “الأحزاب للأسف تريد صوت النساء، ولكن ليس ترشيحها”. وبالرغم من ذلك ترى بسمة بلحاج أن الأساس في النهوض بدور المرأة، لا ينفصل عن الالتزام بحقوق الإنسان كمدخل أساسي للمشاركة النسوية وتحديد السياسات الوطنية، أسوة بباقي أفراد المجتمع”.

من جهتها، أكدت البرلمانية الأردنية، وفاء بني مصطفى، على أهمية دور البرلمانات والأحزاب في حماية حقوق الجميع، بمن فيهم النساء وقالت: “لدينا تحالف نسوي برلماني عربي، ونعمل من خلاله على الوقوف ضد العنف بحق النساء، ولأجل إقناع المجتمعات بأهمية مشاركة نصف المجتمع في تقدم بلادنا”. وأضافت أن “التطور الديمقراطي في بلدي لا يمكن أن يستكمل بدون مشاركة النساء، ومن هنا يأتي دور المجتمع والأحزاب، سواء عبر الكوتا أو غيرها، لكي تصبح المرأة أكثر مشاركة وفعالية في مجتمعها، وهو ما ينطبق على بقية المجتمعات العربية”.

رئيس مركز القدس للدراسات، عريب الرنتاوي، طرح في مداخلته أهم الأسباب والتحديات التي تؤدي إلى انخفاض نسبة مشاركة النساء في الحياة البرلمانية والسياسية عموماً. وهو يرى دوراً مهماً للأحزاب السياسية إلى جانب وسائل الإعلام والتشريعات، كمسؤولية جماعية للدفع نحو مزيد من المشاركة النسائية العربية في الحياة العامة لبلدانها.

ويتابع الرنتاوي “هذه المؤتمرات مهمة للتعرف على تجارب ونشاط الأحزاب والمجتمعات من مختلف دول العالم، بما فيها الدولة المضيفة، لنتعرف على نماذج من خلال قصص وإطلالة على جوانب لم تخطر ببالنا. فالتجربة التونسية تظل تعطينا الأمل في عالمنا العربي. لكنك تحزن حين ترى الفجوة بيننا وبين الدنمارك تمتد إلى 60-80 سنة”.

من جهته، قال رئيس تحرير صحيفة “أخبار اليوم” المغربية، توفيق بوعشرين، لـ”العربي الجديد” في تعقيبه على أهمية المشاركة في هذا المؤتمر “لأنها تقدم توضيحاً لسياق النضال التاريخي الذي عرفه المجتمع الدنماركي، خصوصاً حصول 40 بالمائة من النساء على مقاعد برلمانية، رغم أن المتوسط في العالم يبلغ 20 بالمائة. الشيء المهم هو ربط هذه الحقوق بالديمقراطية، خصوصا مسألة شرعية الحاكم، فكيف تكون هناك شرعية إذا كان نصف المجتمع غير مشارك”.

ويتفق معظم المشاركين في مؤتمر “المشاركة النسائية في السياسة” على أنه “لا يوجد نموذج جاهز للتبني” خارج سياق النماذج التي تستند إلى احترام حقوق المواطنين، وإشاعة الديمقراطية والدولة المدنية كمخرج لعدد من المشاكل، ومنها تراجع نسبة مشاركة النساء في السياسة والبرلمانات العربية.

الناشطة الحقوقية المصرية، عزة سليمان، عرضت أوضاع بلدها وواقع الانتهاكات وتجربة المنظمات الحقوقية المصرية. واعتبرت أن “العنف في المجتمع يؤثر تأثيراً كبيراً على كل الأفراد، وهو يحمل رسائل للناشطين مفادها بأن ما حدث لشيماء الصباغ يمكن أن يحدث لأي منكم”. وذهبت سليمان في توصيفها لهذا العنف بأنه يحمل تحريضاً على الناشطين بالادعاء بأن هؤلاء “عملاء للخارج”، وبذلك يجري تهييج بحق الناشطات والناشطين في مجال الحريات.

وفي ردً على سؤال لـ”العربي الجديد” أمام المؤتمرين، عن دور الأحزاب والقوى الليبرالية التي أيدت انقلاب السيسي ثم لم نعد نسمعها كثيراً مع تفاقم الانتهاكات في مصر، رفضت سليمان الخوض في التفاصيل، مكتفية بالقول: “رسالتنا واضحة، نحن كقوى ليبرالية ضد الإخوان والعسكر، وعلى الأقل نحن موجودون داخل مصر وكل يقوم بما يجب أن يقوم به”. بينما كانت في مداخلتها قد تحدثت عن “الخوف السائد في الشارع، وأنه خوف وعنف أخطر مما كان في 2010 حيث تخشى الكثير من العائلات على بناتهن”.

والاستنتاج الذي خرج به مؤتمر كوبنهاغن يشير إلى أن التحديات التي تواجهها المرأة عالمية، وليست مقتصرة على ثقافة أو مجتمع محدد، بل تردد كثيراً أن “التحديات كونية” مع انحسار الحدود بين الدول والمجتمعات. ويؤكد الغربيون والعرب والأفارقة أن لا سبيل للنهوض بمشاركة نسوية بدون أن تكون هناك حقوق وديمقراطية تشمل جميع المواطنين في تلك المجتمعات التي تعاني منها النساء من التهميش والعنف السياسي أسوة بباقي المواطنين. بل يتفق هؤلاء على أن نسب المشاركة النسوية في برلمانات العالم الثالث، كالسودان، لا تعكس ممارسة ديمقراطية ولا تعددية، كما تريد بعض الأنظمة الديكتاتورية تجميل علمانيتها وديمقراطيتها بوجوه أنثوية “كما كان الوضع في ليبيا وسورية حاليا”، بحسب معظم المتداخلين.

ناصر السهلي – العربي الجديد

شاهد أيضاً

الأغا تفتتح يوم المصالحة بمشروع she can” ” لدعم الشركات الناشئة

غزة – افتتحت وزارة شئون المرأة دورة تدريبية لصاحبات المشاريع والشركات الناشئة في المحافظات الجنوبية …

اترك رد

Translate »