جريمة بحق الادب

بقلم: محمود ابو الهيجاء

ليس النائب العام ناقدا ادبيا، انه وبعد كل توصيف، رجل من هذا المجتمع الفلسطيني الذي يباهي بقيمه الاخلاقية الرفيعة، والذي يؤمن ان الكلمة الطيبة صدقة، وان حسن الكلام من حسن النوايا، وان الشجاعة تكمن اولا وقبل كل شيء في قول كلمة الحق، واغلب الناس للحق، كما جاء في الذكر الحكيم، كارهون.

اما عن حرية التعبير فهي مكفولة بالقوانين، لكن هذه الحرية هي حرية الابداع الذي يسأل ويكشف وينور وينتقد ويعترض بلغة المسؤولية الوطنية والاجتماعية والاخلاقية، لتكون هي حرية البناء لاجل حرية الحياة التي لن تكتمل دون الخلاص من الاحتلال الاسرائيلي البغيض، اما في الادب فان الحرية تكمن في التخليق الابداعي للنص، نقدا لارسال الواقع وتحريضا لأجل تغييره، وبلغة المخيلة والفكرة والموقف الانساني، لا بلغة الحس الرغبوي الرخيصة، والنص الابداعي هو نص جمالي حتى وهو يتناول شؤون الجسد ومكابداته، ولهذا السبب فان هذا الغث الذي حمل عنوان “جريمة في رام الله” ليس ادبا ولا بأي حال من الاحوال، وفي تقديري فإن محاكمة هذا “الغث” ينبغي ان تكون هنا في النقد الادبي اولا قبل أي مجال آخر.

بالطبع لا ادافع هنا عن قرار النائب العام، بقدر ما اعتقد ان كلمة الحق يجب ان تقال في هذا السياق، وكلمة الحق ان “جريمة في رام الله” ليست غير جريمة بحق الادب، وحق الرواية، مثلما هي والتي تفرض أن يلاحقها الكتاب والمثقفون قبل غيرهم، مثلما هي جريمة بحق المجتمع وقيمه الاخلاقية والتربوية، ما يجعل المساءلة القانونية هنا أمرا واجبا اقول ذلك بعد ان تصفحت هذه الجريمة، وانا القارئ النهم لاعمال روائية كثيرة، بما يعني ان لي قدرة على قول رأي نقدي معقول بهذا النوع من العمل الادبي وهو على اية حال رأي قابل للنقاش دائما.

اقول كل ذلك لكي اوضح ان “حرية التعبير” لا ينبغي ان تكون شعارا مقدسا بالمطلق، فلا ترى في ما يهدد القيم الاخلاقية خطرا ينبغي التصدي له، ولكن اقول واكرر مرة اخرى ان هذا يظل ممكنا وأولا بالنقد الموضوعي، وبالنقاش الذي بوسعه ان يفرق بين الصالح والطالح، بين النص الابداعي، والنص الاستهلاكي الرخيص، و”جريمة في رام الله” ليست غير هذا النص الأخير، الذي قرأت على صفحات “الفيس بوك” لعنات كثيرة ضده وباشمئزاز يستحقه تماما.

يبقى ان نشير للضرورة الوطنية دعونا ننشغل “بتشريعات” الكنيست الاسرائيلي التي تبيح سرقة ارضنا، وعلى نحو شره، وبعنصرية الابارتهايد البغيضة، لا أن ننشغل بهذا الغث الذي لا بد من وضع علامة استفهام كبيرة على موعد نشره في مثل هذا التوقيت، وبكلمات اخرى قضيتنا في اللحظة الراهنة، هي قضية البحث عن انجع السبل لمواجهة هذه التشريعات العدوانية، وليس ذلك الغث البائس سوى الزبد الذي سيذهب جفاء لا محال، وليسمح لي جبرا ابراهيم جبرا وغسان كنفاني، واميل حبيبي ويحيى يخلف، والمتوكل طه، وعارف الحسيني، واكرم مسلم، وجمال ناجي وابراهيم نصر الله، وسحر خليفة، وحزامة حبايب، ورشاد ابو شاور، وخليل بيدس وليلى الاطرش، وليانة بدر، ومحمد الاسعد، ومحمد علي طه، ومحمود الريماوي ومي زيادة، والياس خوري بقدر ما هو فلسطيني في اعماله الروائية، واحمد حرب، والقائمة تطول لهذه الكوكبة من مبدعي الاعمال الروائية الفلسطينية والذين لا تحضرني اسماؤهم هنا جميعا، ليسمحوا لي بالاعتذار نيابة عن هذا الوقت الذي جعل من الغث عملا ممكنا من اعمال السرد..!!

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

فتح ميديا أوروبا