المصالحة الفلسطينية وقد أصبحت عنادا وكفرا: إلى أين ستذهب الفصائل بالشعب؟

المعضلة الأساسية في تمنع حماس عن التفاهم مع فتح والسلطة الفلسطينية هي الواردات التي تجنيها من الضرائب.

بقلم: د. علاء أبو عامر

أعتقد أن الواقع الفلسطيني الحالي مختلف تماما عن العقود الماضية. الآن لا يمكن لفصيل فلسطيني كبير كحركة فتح وحده منفرداً أن يقود الحركة الوطنية الفلسطينية، بل الواقع يفرض شراكة تامة مع المكونات الأخرى وعلى رأسها حماس والجهاد، ومع قوى اليسار التي لا بد لها من تجميع صفوفها في جبهة تقدمية عريضة وإلا ستندثر مع الوقت.

المصالحة اليوم هامة بل هي الاكثر اهمية، لأن صفقة القرن ليس من ضمنها فلسطين كما يقول جارد كوشنير وسيط السلام الأميركي.

لذلك ينتظر الفصائل الفلسطينية معارك كبيرة يجب ان يتم الاتفاق على شكلها ومضمونها ومساراتها لإجبار العدو وحلفائه على الإقرار بالحقوق الوطنية الفلسطينية والعمل على تحقيقها.

لكن هل قرأت الفصائل الفلسطينية الواقع وما يراد به من حلول للقضية الفلسطينية؟

لا أعتقد وما اعتقده هو أن كل فصيل مازال يغني على ليلاه.

النائب عن حركة حماس د. صلاح البردويل يريد بحسب مبادرته أن يلغي الرئيس اجراءاته العقابية اولا، ود. محمود الزهار يريد أن تُجمد اللجنة الإدارية التي تحكم قطاع غزة كحكومة فعلية لا أن تلغى وذلك لاختبار النوايا، في المقابل الرئاسة الفلسطينية وحركة (فتح) تُصر على الغاء اللجنة الإدارية اولا، وبين الاصرارين، تصبح المصالحة في خبر كان.

حماس توحي من خلال تصريحات كبار مسؤوليها في قطاع غزة أن القضية قضية كرامة وإن على الرئيس أن ينهي إجراءاته العقابية أولا! ومن ثم حماس ستكون جاهزة لتسليم الحكم وحل الحكومة.

أعتقد إن خلصت النوايا فتلك مسألة سهلة التحقيق فإذا كانت الخطوة الأولى هي مسألة الكرامة.

فلتكن الخطوات بالتوازي وفي نفس الوقت وبحضور الشهود وعلى شاشات الفضائيات.

وهكذا تحل العقدة…

العناد والمكابرة كفر…

مُنعت حماس غزة البارحة الوزير السابق ناصر الدين الشاعر الإعلان عن مبادرته لإنهاء الانقسام حتى لا تُحرج حركته وتبدو أنها منقسمة على نفسها بين حماس الضفة وحماس قطاع غزة التي أصبحت في يدها كل مفاتيح القرار الحمساوي.

في ظل هذا التعنت من جانب حماس الذي يخفي وجهه خلف مبادرات ذات شروط تعجيزية بحسب ما وصفها الناطق باسم حركة فتح أسامة القواسمي والتي من ضمنها الاعتراف بكافه موظفي حماس الخمسين الف كما هم وبمناصبهم الحالية ودمج موظفي السلطة من أبناء غزة معهم أي أن يصبح موظفو حماس كما يشير أحد بنود خطة السيد البردويل هم قيادة الوزرات التي مقرها غزة لا العكس كما تطالب السلطة، وذلك يطرح سؤالا جوهريا لماذا تُصر حماس على مواقفها والتي توحي أنها لا تريد المصالحة إلا وفق شروطها ورؤيتها مع ما أصاب ويصيب وسيصيب قطاع غزة من أذى نتيجة هذه السياسة غير المفهومة للبعض خصوصا بعد أن أوقفت الرئاسة التنسيق الأمني وموقفها المتقدم في انتفاضة الأقصى والذي قدرته حماس الضفة بزيارتها للرئيس أبومازن ولم تقدرها حماس غزة والتي يلاحظ أنها أصبحت لا تستخدم في مفرداتها كلمة “السيد الرئيس” وكأن الرئيس أصبح من ماضٍ ولم يعد له وجود! وهي تشكك أيضا بوقف التنسيق الأمني في الضفة وتعتبر ما يحدث خداعا تكتيكا لا أكثر بالرغم من تأكيد قيادات العدو على وقفه بالكامل.

اعتقد أن أهم عقد حماس غزة مع المصالحة تكمن في عدم وجود بدائل للضرائب التي تجني عائداتها من قطاع غزة، صحيح أن لدى حماس استثمارات ولكنها وحدها لا تستطيع أن تغطي نفقات مؤسسات مدنية وعسكرية لتنظيم هائل تضخم خلال العشر سنوات الماضية، حتى اصبح يعد بعشرات الالاف وفي ظل شحة الاموال القادمة من الخارج فإن تسليم الحكم بالكامل لرام الله يعني تجفيف منابع التمويل الحمساوي، الذي جعلته الإجراءات العقابية “غير المسبوقة” ينخفض بمعدل النصف تقريبا، حماس ترغب بتقاسم وظيفي اي ان تبقى على ما هي عليه ومنحه شرعية حكومية وهذا غير مقبول فتحاويا ولا وطنيا.

لا يمكن فهم عناد حماس الا من هذه الزاوية، لو كان الامر غير ذلك لما شاهدنا هذا التصلب والمكابرة، رغم ما يراه مسؤولو الحركة من مآسي امامهم في القطاع تبكي العين لمشاهدتها.

لذلك ترى قيادة حماس في غزة أن تفاهمها مع السيد النائب محمد دحلان وما يمثله من وعود تبدو براقة بحل معظم مشاكل قطاع غزة كالماء والكهرباء والمعابر مع تقاسم وظيفي معه في إدارة القطاع أفضل الطرق لها وأقلها كلفة من ناحية حزبية مصلحية.

نعم تنظر حماس إلى هذه التفاهمات كطريق واعد لبقاء حكمها واستمرارها بعيدا عن سلطة رام الله واشتراطاتها خصوصا أن من يقف خلف السيد دحلان هي دول وازنة في القرار الرسمي العربي وهي ذات إمكانيات هائلة أهمها الإمارات وربما بدرجة أقل السعودية بالإضافة كذلك لمصر.

وهناك رهان أخر تقوده حماس الخارج وهو إعادة علاقاتها مع محور طهران دمشق بيروت المحور القديم الذي كانت حليفة له.

وتبقى حماس ضمن محورها التركي الإخواني الذي يتصارع مع باقي التيارات في غير مكان.

هل ستستطيع حماس اللعب على هذه المحاور مجتمعة؟

يبدو الأمر مستحيلا فلا شيء في السياسة بلا ثمن.

من الواضح أن الانقسام تجذر بشكل شبه نهائي وسيتحول إلى انفصال، والخاسر هو الشعب الفلسطيني، والوطن الفلسطيني والكفاح الفلسطيني والقضية الفلسطينية، للأسف أصبحت القضية بعد أن كانت تحولت فيه الدولة كهدف أيتقدم على التحرير أصبحت السلطة اليوم والحفاظ على المكاسب التنظيمية الحزبية الضيقة أهم من الدولة أيضا.

الفصائل الفلسطينية تسير اليوم في واد غير الذي يسير به ويرغب معظم أبناء الشعب الفلسطيني الذي تبدت عظمته في انتفاضة القدس الأخيرة والتي كان يتوقع أنها قد تؤثر في القيادات الفلسطينية وتجعلها تتنازل من أجل تلبية طموحات الشعب الذي ثبت أنه أكبر من كل قياداته وفصائله.

ما نشاهده مسلسل تتكرر حلقاته التي أصبحت مملة من كثر هذا التكرار، فقدان الأمل مصيبة لدى شعب كان ومازال يعيش على الأمل.

د. علاء أبو عامر

كاتب وباحث وأكاديمي من فلسطين

ميدل ايست أونلاين

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

فتح ميديا أوروبا
Exit mobile version