تسقطُ أوسلو.. كلَّ يوم!

الرسالة الأسبوعية (١١)

تسقطُ أوسلو.. كلَّ يوم!

بقلم: د.خليل نزال

يحتارُ المطالِبون بسقوط أوسلو في تلمّس آثار ما بقي منها على الأرض، لكنّهم يواصلون تكرار تعويذتهم السحرية: تسقط أوسلو! وتكمن المفارقة في أن هؤلاء بمعظمهم قد عادوا إلى فلسطين ضمن الثّغرة التي أتقنت منظمة التحرير الفلسطينية استغلالها لتحقيق إنجازٍ جزئيّ “لحقّ العودة إلى الوطن”، وهو إنجازٌ شمل مئات الآلاف من القادة والفدائيين وبُناة الثورة الفلسطينية المعاصرة وعائلاتهم، ومنهم مناضلون عربٌ شاركونا مرارة المنفى اختياراً وشاركونا فرحة “العودة” إلى فلسطين تاركين “أوطانهم” خلف ظهورهم ليشاركوا شعبنا في معركة بناء أسُس وركائز الدولة المستقلة رغم نواقص أوسلو -وما أكثرها!

لقد ضاق الفلسطينيّون قيادةً وفدائيّين ومؤسّساتٍ بمحاولات الابتزاز السياسيّ التي مارستها الأنظمة العربية مستغلّة “الجغرافيا” وحرب الخليج الأولى وتنامي التغوّل الأمريكي في المنطقة بشكل لم يسبق له مثيل. من هنا كانت الأرضية التي انطلقت منها الانتفاضة الأولى: رفضُ محاولات التحكّمِ “العربيّ” بالقرار الوطني الفلسطينيّ المستقلّ ونقلُ ساحة الصراع المركزية إلى مكانها الطبيعي، أرضِ الوطن!
لقد دخلت الثورة وقيادتها أرض الوطن بتجربة غنيّة من حرب العصابات وإدارة فنّ التعايش مع الحصارات المتكررة والصمود في أحلك الظروف وضمن أكثر موازين القوى انحيازاً للعدوّ. ومن يطلب الآن إسقاط أوسلو عليه أن يفهم أن هذه المهمة كانت من نصيب “أبو جندل” في مخيم جنين وآلاف الشهداء والجرحى والأسرى-أبطال الإنتفاضة الثانية -إنتفاضة الأقصى، التي كانت أكثر المعارك ضراوةً بيننا وبين دولة الإحتلال الصهيوني منذ بداية الصراع قبل ما يزيد على مئة عام.. نعم: لقد خضنا تلك الانتفاضة رغم أنف أوسلو، وعلى من بقي بعيداً عن ساحة المعركة بحجّه ترفّعه عن الاقتراب من “رجس أوسلو” أن يشعر بالخجل لأنه لم يحظَ بشرف المشاركة في “أم المعارك” الفلسطينية. لقد سقطت أوسلو قبل عشرين عاماً عندما اندلعت انتفاضة الأقصى، فهل يدركُ ذلك المطالِبون اليوم للمرة الألفِ بإسقاطها؟

نستعيدُ اليوم كلّ هذا التاريخ ونحن نقف أمام لحظة “سقوط” جامعة الدّولِ العربية في حضيض النكوص عن مساندة شعب فلسطين. لقد تخّلت هذه المؤسّسةُ عن دورها الطبيعيّ وانحازت إلى أموال المطبّعين وخضعت لابتزاز ترامب ووهم التحالف مع “إسرائيل” ضد عدوّ “وهميّ” اختلقه أعداء الأمة وصدّقه بعض حكّامها وما انفكّوا يبنون كل سياساتهم على أساس هذا الوهم، حتى وصلت بهم المهانةُ إلى التحالف مع دولة الاحتلال المارقة التي تسلبُ الفلسطينيّ أرضه وحقّه في الحياة. لقد حذّرنا دوماً من حروب الطوائف ومن “الفوضى الخلاقة” التي أحرقت الوطن العربي وأفقدته وحدته وقراره السياسيّ ليجعل من حاضره ومستقبله رهينةً في قبضة أعدائه. ومن يظنُّ أنه يستطيع تجاوز الحقّ الفلسطينيّ دون أن يدفع ثمن هذا التجاوز فهو واهم، فما زالت فلسطينُ ساحةَ المواجهة مع المشروع الصهيوني بكل ما يمثله من مخاطر ضد الأمة كلها. ونحمد الله أن قيادة شعب فلسطين موجودةٌ بين أبناء شعبها فوق أرض الوطن، في ساحة المواجهة والرّباط، بعيداً عن “تحكّم الجغرافيا”. لقد أتقن الشعبُ الفلسطينيُّ وقيادته فنّ التعايش مع الحصارات والصمود في أصعب الأوقات، ولن يعجز هذه المرّة أيضاً عن اجتراح معجزة إفشال حصار التطبيع المجّاني مع العدوّ، فوسائل الصمود والانتصار متوفّرةٌ في متناول اليد الفلسطينيّة، أولها الوحدةُ على قاعدة الشراكة الوطنية في المقاومة الشعبية الجماهيرية ضمن برنامج وطنيّ شامل ينهي الإنقسام ويعيدُ غزّة إلى الوطن ويوحّد النظام السياسيّ وأدواته ومؤسّساته.

لَنْ تُجْبِرَنا جامعةُ الدّولِ العربيّةِ على الصّراخِ: يا وَحْدَنا! بَلْ نُرَدِّدُ على مَسامِعِها بأعلى الصّوتِ: يا وَيْلَ مَنْ يتخلّى عن فلسْطينَ وشَعْبِها ومُقَدّساتِها!

وارسو/بولندا
١٣-٩-٢٠٢٠

شاهد أيضاً

دروس من اجتماع قادة الفصائل

الرسالة الأسبوعية (١٠) دروس من اجتماع قادة الفصائل بقلم: د.خليل نزال الدّرس الأول: لم يعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − 8 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann