السلام الابتزازي اغتصاب

بقلم: حمدي فراج

مضى أكثر من ربع قرن على قصيدة “المهرولون” التي كتبها الشاعر العربي الكبير نزار قباني والتي باتت تتردد هذه الايام بكثرة، لإدانة موجة التطبيع العربي التي ابتدأت بالامارات العربية المتحدة ، ولن تنتهي بالسودان صاحب اللاءات الشهيرة الثلاث. وكأن نزار كان يتنبأ ويستقريء ويستشرف مستقبل زعماء هذه الأمة على النحو الذي اورده في القصيدة :
سقطت آخر جدران الحياء.. لم يعد يخجلنا شيئٌ.. فقد يبست فينا عروق الكبرياء.. ودخلنا في زمان الهرولة.. ووقفنا بالطوابير كأغنامٍ أمام المقصلة.. وركضنا و لهثنا وتسابقنا لتقبيل حذاء القتلة.. سقط التاريخ من أيدي العرب.. سقطت كل مواويل البطولة.. ليس صلحاً
ذلك الذي أدخل كالخنجر فينا.. إنه فعل إغتصاب .
وهل هناك أكثر وضوحا من عملية “اغتصاب” السودان الشقيق الذي بعد حصار وتجويع واستهداف دام نحو ثلاثين سنة على لوائح الارهاب، يشترط ان يرفع عنه الارهاب باقامة سلام مع اسرائيل؟ إن هذا الابتزاز الأرعن بمثابة ارهاب دولي تقف دول العالم قاطبة في احسن احوالها تتفرج عليه، بعضها تقوم بـ “واجب” المباركة وتقديم “النقوط”، لكن غالبيتها كانت تشارك في الحصار والمقاطعة والعقوبات، الى ان سقطت حكومته الجديدة المؤقتة في الموافقة على الابتزاز / الاغتصاب .
تدرك امريكا وربيبتها في المنطقة اسرائيل، ان الشعب السوداني لن يقبل التطبيع، كما لم يقبله الشعب المصري ولا الاردني ، ولهذا سرّعوا من ممارسة فرض السلام الابتزازي الاغتصابي قبل اي انتخابات قادمة، هذه الفرصة قد أزفت ولا بد من استثمارها، فعلها ايضا تعيد ترامب الى الولاية وبريق نتنياهو الذي بهت وقارب على الانطفاء .
يعرف الكثيرون ان قصيدة نزار قباني “المهرولون” قد وضعها في توقيع اتفاقية اوسلو ، التي لم يكن يعرف موقعوها، انها ستجرنا الى هذا المأزق العربي التطبيعي التطوعي والابتزازي الاغتصابي، ولهذا تفاجأوا وانبهروا واندهشوا، ووصفوا ما حدث بأنها طعنة في الظهر، لكن ما لا يعرفه الكثيرون لربما، ان قصيدة نزار قد تم حظرها، وصودرت من المكتبات في مدينة نابلس عام 1996، لكننا اليوم نعيد الاعتبار للشاعر وللقصيدة على حد سواء ، واذا كان الشعب السوداني والبحريني والاماراتي يرفضون التطبيع ، فإننا في قصيدة نزار “فرحنا.. و رقصنا
و تباركنا بتوقيع سلام الجبناء” الذي لطالما تغنى به البعض القيادي من انه سلام الشجعان .
***
سرقوا الابواب و الحيطان و الزيتون و الزيت و أحجار الشوارع..
سرقوا عيسى بن مريم و هو ما زال رضيعاً.. سرقوا ذاكرة الليمون و المشمش.. و النعناع منا و قناديل الجوامع.. تركوا علبة سردينٍ بأيدينا تسمى (غزةً).. عظمةً يابسةً تدعى (أريحا).. فندقاً يدعى فلسطين، بلا سقفٍ و لا أعمدةٍ.. تركونا جسداً دون عظامٍ.. و يداً دون أصابع !

 

شاهد أيضاً

تكتيكات الإدارة الأميركية الحالية وأعباء الإدارة المقبلة

بقلم: جيمس ستافريديس جاء عزل وزير الدفاع مارك إسبر من منصبه ومغادرة ثلاثة آخرين من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − 3 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann