السفير حساسيان في الدنمارك: “لطالما لعب المسيحيون دوراً مهماً في المجتمع الفلسطيني”

أجرى السفير أ. د. مانويل حساسيان في مملكة الدنمارك مقابلة مع صحيفة كريستليت داوبلاذ “Kristeligt Dagblad” الدنمركية، نشرت يوم الاثنين في 26 نيسان/ابريل تحت عنوان (السفير في الدنمارك: “لطالما لعب المسيحيون دوراً مهماً في المجتمع الفلسطيني”)، وتحدث خلال المقابلة عن هويته المتنوعة، وعن الدور الهام الذي لعبه المسيحيون الفلسطينيون جنباً الى جنب مع الفلسطينيين المسلمين في الكفاح والنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، واعرب عن انزعاجه للنظرة السائدة في الغرب عن هجرة المسيحيين الفلسطينيين من فلسطين، حيث ان هناك أسباب مختلفة تماماً متعلقة بسياسة “إسرائيل” العنصرية، وفيما يلي أبرز ما جاء فيها:

يمكن بإختصار تقديم السفير أ. د. مانويل حساسيان، بإعتباره فلسطينياً مسيحياً من القدس، وهو حالياً سفيراً لفلسطين لدى مملكة الدنمارك، إلا أن السفير حساسيان يضيف على ذلك بأن الواقع أكثر تعقيداً، حيث أنه بفضل تقديم نفسه “كأرمني العرق، مسيحي الديانة، كاثوليكي الطائفة، فلسطيني المواطنة، عربي القومية، ومسلم بالثقافة” حيث أن الثقافة الإسلامية هي المهيمنة في الشرق الأوسط.

لذلك يدرك السفير حساسيان جيداً بأن تكاوينه المتعددة الأطياف، قد يبدو متناقضاً في الوهلة الأولى، غالباً ما يثير تقديم نفسه للغرب بعض من الدهشة والابتسامة التي تدل على الاستغراب، ولكن بالنسبة له، فأن هناك نقطة مركزية مهمة في ما يخص هويته المعقدة، يقول السفير، “غالباً ما يندهش الآخريين من إسمي لأنه لا يبدو مسلماً، فكيف يمكن لغير المسلم أن يكون سفيراً لفلسطين؟” يتسائل الغرب!! لكن فلسطين كانت دائماً قادرة على إحتضان هذا التنوع داخل الهوية الوطنية ”

وأعرب السفير حساسيان، عن أسفه الشديد لهجرة المسيحيون الفلسطينيون من وطنهم، كما أنه أبدى إنزعاجه الشديد وبالقدر نفسه، لوجود تصور لدى الغرب بأن المسيحين الفلسطينين يهاجرون من بلدهم بسبب مضايقات المسلمين، حيث قال بأن المسيحين الفلسطينين وقفوا ويقفوا جنباً الى جنب مع الفلسطينيين المسلمين في الكفاح والنضال ضد الإحتلال الإسرائيلي، كما أن المسيحين في فلسطين يعتبروا جزء مهم من المجتمع الفلسطيني، ولكن في الوقت نفسه يُطرد المسيحيون والأقليات الأخرى من أوطانهم في الشرق الأوسط بسبب سياسات محددة.

“لقد لعب المسيحيون دائماً دوراً مهماً في المجتمع الفلسطيني”، وعلى مر التاريخ يُنظر إلى المسيحيين على أنهم قادة سياسيين وشهداء في سبيل التحرر، بحيث أدوا أدواراً مهمة في النضال من أجل الحرية، وكانوا دائماً يناضلوا جنباً إلى جنب مع أبناء وطنهم المسلمين ضد قوى الإحتلال، وهذا هو السبب الرئيسي من قلقه الكبير في الآونة الاخيرة لرؤية هذا التطور الديموغرافي في فلسطين “.

ولهذا السبب، يحبطه حقيقة أن المسيحيين على مر السنين ظلوا يهاجروا من الأراضي الفلسطينية سواء من الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، فقبل 50 عاماً كان المسيحيون في فلسطين يشكلون حوالي 20٪ من السكان الفلسطينيين، اليوم أصبحوا يشكلوا أقل من 2٪ من السكان، ومن بين الأمور الأخرى المحبطة، إن المدن المسيحية تاريخياً مثل “بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور”، هي التي يهاجروا منها المسيحيين بشكل خاص تدريجياً.

يشعر السفير حساسيان بالإنزعاج بشكل خاص من أن هجرة المسيحيون الفلسطينيون غالباً ما يُنظر إليها على إنها جزء من هجرة المسيحيين الكبيرة في الشرق الأوسط، حيث يهاجروا المسيحيون من المنطقة بسبب الإضطهاد والتهديدات من قبل المسلمين المتطرفين، لكن بالنسبة للمسيحيون الفلسطينيون، فأن الوضع مختلف تماماً والأسباب عديدة ومختلفة.

” فنحن كمسيحيون فلسطينيون لم نواجه قط المشاكل نفسها مع التطرف الإسلامي مثل دول أخرى في المنطقة، فعندما يهاجر المسيحيون من فلسطين، هناك أسباب مختلفة تماماً متعلقة بسياسة إسرائيل العنصرية.”

قبل حوالي 15 عاماً بمرأى ومسمع الجميع، شاهدنا كيف قصفت إسرائيل المكتبة المسيحية الوحيدة في غزة، وكيف قُتل على أثرها بائع الكتب، كما يؤكد السفير حساسيان في ما يخص هجرة المسيحيون من فلسطين، بأن العديد من الشباب المسيحيون يهاجرون من فلسطين، بسبب عدم الإستقرار السياسي والتحديات الإقتصادية والبطالة المرتفعة في المقام الأول، فأصبح من الصعب للغاية عليهم شراء منزل في ظل التردي الاقتصادي الحاصل بسبب سياسة الاحتلال الممنهجة، بالإضافة لعدم وجود القدرة على تكوين أسرة في ظل الظروف المعيشية المتردية، وعدم رؤية آفاق مستقبلية لهم في البلاد، كما هو الحال الأن.

ومن منظورالشباب المسيحيين، فإن الوضع الراهن ميؤوساً منه بشكل عام، جزءاً كبيراً من اللوم يقع على عاتق الكنائس المختلفة في فلسطين، وفقاً لرأي السفير حساسيان، فالأجدر بهم كان التركيز على حل مشاكل الشباب المسيحي ومساعدتهم معيشياً في توفير إمكانيات ودعم فرص الأعمال الصغيرة، التي كان من الممكن أن تحفز المسيحيين الفلسطينيين على البقاء في فلسطين.

يهاجر المسيحيون الفلسطينيون بأعداد كبيرة عبر السنين، وخصوصاً بعد النكسة في عام 1967، وذلك لوجود إرتباطات أسرية لهم في الغرب، ما يسهل عليهم الهجرة، تاريخياً كان لهذه الإرتباطات الأثر الكبير في تعلمهم للغات عديدة، كما أن العائلات المسيحية في فلسطين حرصوا تقليدياً في التركيز على التعليم لأبنائهم، ويعتبر المستوى التعليمي بين أبناء العوائل المسيحية في فلسطين عالي، ونتج عنه إثراء للمجتمع الفلسطيني في عدة نواحي، ومن جانب أخر سهل هجرتهم بشكل عام.

“بالطبع قد يكون هناك صراعات بين مسيحيين ومسلمين، لكنها عادة ما تكون خلافات حول أرض أو خلافات شخصية أخرى، لكنها ليست بدوافع دينية أو عنصرية”.

على مر السنين، كتب السفير حساسيان عدة مقالات في مجلات مختلفة، من ضمنها حول السرد القائل بأن المسيحيين الفلسطينيين يهاجرون بسبب التطرف الإسلامي، إلا أنه أوضح في مقالاته بأن هذه الإدعائات ما هي إلا إدعاءات الإعلام الإسرائيلي، بحيث يقوم المسيحيون الصهاينة بتداولها ونشرها.

س – يعيش المسيحيين في غزة تحت حكم حركة حماس الإسلامية، ألن توافق أيضاً على إن المسيحيين يعانون من صعوبة بسبب إيمانهم؟

يجيب السفير حساسيان، فأين المشكلة بذلك ؟ فبالرغم من أن هناك لا يزال عدد قليل جداً من العائلات المسيحية تعيش في غزة، ومعظم سكان غزة تقريباً من المسلمين، “لكننا لم نشهد قط قيام حركة حماس المهيمنة على قطاع غزة بقتل المسيحيين أو إجبارهم على إعتناق الإسلام”، فإن حماس تعتبر حركة سياسية من النسيج الوطني الفلسطيني تناضل من أجل التحرر بهدف تشكيل دولة إسلامية، بالرغم من أنني لا أتفق مع توجههم الأيدلوجي بإنشاء دولة إسلامية، حيث يتناقض تماماً مع إيماني بدولة علمانية ديمقراطية.

س – قبل أشهر وردتنا أخبار بأن وزارة الاوقاف والشؤون الدينية التابعة لحماس في غزة، منعت المسلمين من المشاركة في احتفالات عيد الميلاد العام الماضي، وهذا لا يعبر عن التعايش الجيد بين الأديان أليس كذلك؟

يجيب السفير حساسيان، لقد كانت حالة إستثنائية حقاً، ولم يشرفنا سماع ذلك، ولكن ما لبثت أن سحبت حماس بيانها، وعلينا أن نتذكر دوماً بأن هذا البيان قد صدر من قبل الجناح اليميني المتشدد لحركة حماس، وهذا بدوره لا يعكس وجهة النظر أو التوجه الفلسطيني الذي أعرفه بشكل عام.

فقد عملت نائباً للرئيس التنفيذي لجامعة بيت لحم لسنوات عديدة، وهي جامعة كاثوليكية مدعومة من الفاتيكان، و70% من طلابها هم من المسلمين، وتعودنا أن نحتفل معاً بعيد الميلاد، كما كان يحرص المسلمون الفلسطينيون للحضور والمشاركة من جميع أنحاء الضفة الغربية إلى قداس منتصف الليل في ليلة عيد الميلاد في كنيسة المهد في بيت لحم، كما إننا تعودنا كمسيحيون أن نشارك المسلمين في العديد من المناسبات من ضمنها شهر رمضان الفضيل وعيد الاضحى المبارك.

س – لسنوات عديدة، حظيت حماس أيضاً بدعم قوي في الضفة الغربية، أليس هذا من دواعي قلق المسيحيين الفلسطينيين بأن يتعاطف الكثيرون مع حركة إسلامية؟

يجيب السفير حساسيان، تعتبر حماس جزءً من نسيج المجتمع الفلسطيني المتعدد، ويحق لها مقاومة الإحتلال، لكن المسيحيون لديهم مشكلة مع حماس عندما يتعلق الأمر بمسألة بمفهوم الدولة الاسلامية، فأنا لست مع فكرة إنشاء دولة إسلامية في فلسطين، لكن ديمقراطياً سنحترم حركة حماس إذا ما وصلت إلى السلطة من خلال الإنتخابات الديمقراطية، لكنني في هذه الحالة سأختار من تلقاء نفسي ما إذا كنت أريد أن أعيش في ظل قوانينها الدينية، “لكن لن أقبل إذا أجبروا بناتي وأحفادي على العيش في ظل الشريعة الإسلامية، وأجبارهم على ارتداء الحجاب أو الجلباب”، في إشارة إلى الملابس والأوشحة النسائية الإسلامية التقليدية.

س- ما الذي يحتاجه المسيحيون الفلسطينيون للتوقف عن الهجرة والبدء في العودة؟

يجيب السفير حساسيان، بمجرد أن يحل السلام، ستزدهر بلادنا ويعود العديد من المسيحيون، لقد رأينا ذلك أثناء مفاوضات السلام التي أدت إلى اتفاقية أوسلو عام (1993). مما خلق تفاؤل ورغبة حقيقية بين المسيحيون للعودة إلى ديارهم، عندما يحصل بعض الاستقرار وينتج عنها أوضاع أفضل في فلسطين، حتماً سيؤدي ذلك تلقائياً إلى عودة المزيد من الفلسطينيين المسيحيين الى بلدهم.

إلا أنه في ظل حقيقة ما يحصل من إنتهاكات من قبل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين اليوم، تعتبر هجرة الشباب المسيحيي من فلسطين ذهاب بلا عودة، إلا إننا لا يمكننا إنكار إعتزازهم بهويتهم الوطنية الفلسطينية أينما وجدوا.

على الرغم من إنني أرمني العرق ومسيحي الديانة في نفس الوقت، إلا إنني أُعرّف نفسي أولاً وقبل كل شيء على إنني فلسطيني، فعندما يحاول المرء العيش في ظل الظروف الصعبة والرهيبة تحت الإحتلال، وتعرضه المستمر لمضايقات المستوطنيين والجنود الإسرائيليين، ويرى بألم كيف تقوم إسرائيل بهدم المنازل وإحتلال الأراضي بالقوة، إن ذلك يؤثر بعمق عليك، وإن مثل هذه التجارب تزيد من وطنيتي وحبي لبلدي لدرجة إنني أرى نفسي فلسطينياً أولاً قبل أن أكون مسيحياً.

شاهد أيضاً

التطعيم في الدنمارك والعالم الاثنين 10-5-2021

كتب: وليد ظاهر* عدد الجرعات منذ الأمس: 32.707 مجمل عدد الجرعات: 2.372.171 الجرعة الاولى: 1.505.134 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 2 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann

Contact Us