تداعيات أزمة جماعة الإخوان المسلمين

بقلم: عمر حلمي الغول

ظاهرة طبيعية جدا نشوء وظهور تناقضات في مركبات الحركات والجماعات والأحزاب نتاج التباين والاختلاف في وجهات النظر، وكذا لاعتبارات شخصية وتنظيمية ومالية وما يتبعها من الامتيازات. وتقول المقولة الفكرية، إن كل ظاهرة من الظواهر اجتماعية كانت أم طبيعية تحمل في طياتها تناقضاتها، وهذه التناقضات تساهم في تطور هذه القوة أو تلك، إلا إذا خرجت عن السياق العام، وبلغت مستوى من التناقض التناحري، عندئذ تنفلق الوحدة الحزبية، لأن شرط التماسك والتكامل انتفى، ولم يعد موجودا.

ومن تابع تاريخ الحركات والأحزاب القومية واليسارية والدينية شاهد وقوعها جميعا في أزمات حادة نجمت عنها انشقاقات في صفوفها. وهنا الأمر لا يقتصر على كبر واتساع هذه القوة أو تلك، لأن الصراع الداخلي يشمل القوى كافة.

ولو توقفنا أمام جماعة الإخوان المسلمين كنموذج، لرأينا أنها أسوة بغيرها، عاشت عددا من الانشقاقات منذ بداية تأسيسها، عندما انشقت “جماعة محمد” على حسن البنا، المرشد الأول للإخوان المسلمين، بيد أنه تمكن آنذاك (البنا) من تقويض انشقاقهم بالانتماء لهم، وتلا ذلك انقسام حاد مع تولي حسن الهضيبي المكانة الأولى في الجماعة خلفا للمرشد الأول. فضلا عن الأزمات والتناقضات التي نشأت منذ عام 2013 في الجماعة، وخاصة ما حصل عام 2015 في أعقاب إضراب ميدان المطرية. وأنا لست هنا في وارد معالجة تاريخ الإخوان المسلمين في هذه العجالة.

لأن ما يهمني هنا هو تسليط الضوء سريعا على الأزمة الحالية التي تعيشها الجماعة، ونجم عنها انشقاق بين المجموعة التي يقودها القائم بأعمال المرشد العام، إبراهيم منير، ومجموعة الستة بقيادة محمود حسين، الأمين العام السابق للجماعة، الذي أقاله منير من منصبه، وعلى إثر ذلك أصدرت مجموعة حسين بيانا رسميا أدلى به طلعت فهمي، أعلنت فيه فصل منير من منصبه كقائم بأعمال المرشد. وبالمقابل صدر بيان مضاد عن المجموعة، التي تعتبر نفسها القيادة الشرعية للجماعة برئاسة إبراهيم منير بإحالة الستة بقيادة محمود حسين للتحقيق، وحلت الهيئة المشكلة في 10/1/2021. وما زالت عمليات الاستقطاب والاستحواذ والشد والرخي منذ العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الحالي تدور رحاها بين الطرفين في حرب معلنة من قبلهم، ولم تعد سرا مخفيا داخل أطر الجماعة. وحتى الآن لا تعرف نتائجها اللاحقة، ولا انعكاساتها على مستقبل الجماعة، ولا الآفاق التي يمكن أن تصل لها. لاسيما وأن كل من المجموعتين تدعي الشرعية.

ولكن من النتائج الماثلة للجميع نلحظ التالي: أولا هناك قيادتان للجماعة؛ ثانيا انقسام مجلس الشورى وتوزعه على المجموعتين؛ ثالثا كل من المجموعتين يملك أوراق قوة بيديه، مجموعة حسين بيدها بيت المال، ومفاتيح الجماعة، وجماعة منير لديها دعم نخب من القيادات التاريخية بالإضافة لاستقطابها مجموعات الشباب، وأولت عددا منهم مهام الناطقين باسمها؛ رابعا احتدام الصراع بين ما يسمى المجموعة التركية والمجموعة المصرية نسبة لمواقع كل منهم الجغرافي؛ خامسا غياب الرؤية البرنامجية لكلا الطرفين في كيفية الخروج من الأزمة، ومعالجة تداعياتها، هذا من جهة، وقراءتها للتعامل مع مستقبل الجماعة، والتحديات المنصوبة أمامها لحماية الحركة والمحافظة عليها كقوة أساسية في المشهد السياسي المصري، ودورها المركزي في العلاقة مع فروع التنظيم الدولي.

كما أن كلتا المجموعتين تعمل الآن على استقطاب المعتقلين من شيوخ الجماعة، الذين نأوا حتى الآن بأنفسهم عن تحديد موقف واضح مع أي منهما بانتظار ما يمكن أن يترتب على عملية الانشقاق المعلن. بيد أنهم بالمحصلة النهائية يفترض أن يحددوا لاحقا موقفا واضحا مما جرى، وقد ينعكس الانشقاق عليهم، وبالتالي قد يكونون موزعين بين المجموعتين.

من المؤكد أن الانشقاق الحالي، رغم أنه الأوضح والأكبر في السنوات والعقد الأخير، غير أنه لن ينهي الجماعة، كما يفترض البعض. ولكن الانشقاق يحمل في طياته تداعيات ثقيلة على مكانة ودور الجماعة في المشهد السياسي المصري والعربي والإسلامي، وسيترك بصمات واضحة على مدى رهان القوى الرأسمالية على الجماعة في القيام بالمهام الموكلة لهم. أضف إلى أن الصراع الدائر سينعكس على مختلف فروع التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين. وقادم الأيام كفيل بالإجابة على الاستنتاجات آنفة الذكر.

oalghoul@gmail.com

شاهد أيضاً

قضية فلسطين والأمم المتحدة.. لماذا لا تنفذ القرارات؟

بقلم: باسم برهوم إسرائيل تتهم هيئة الأمم المتحدة باستمرار بأنها منحازة للفلسطينيين، لكنها تغفل أنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 5 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann

Contact Us