ما بعد… بعد «دار سيدي!»

كتب: صبري صيدم عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”

هناك ووسط قطاع غزة، وتحديداً في مخيم النصيرات الأصيل يقع ما تبقى من منزل جدي، أو كما يحلو للفلسطينيين أن يسمونه بـ»دار سيدي»، وهو ليس كما كل بيوت العالم، إنما هو المأوى الوحيد الذي جمع والدي ومن كان قد ولد من أعمام وعمات، ليبدأوا جميعاً عام 1948 رحلة لجوئهم المقيت من قريتهم الحالمة «عاقر»، التي تبعد عن مقر اللجوء الجديد ساعة تقريباً، وهي المسافة الزمنية الفاصلة بين قطاع غزة ومدينة الرملة ولوائها الأصيل، أي أنك لاجئ في وطنك، لا تفصلك عن زيتونك وليمونك وأرض أجدادك، لا حدود ولا دول ولا بحار ولا صحارى، وإنما سلسلة من الحواجز والمستوطنات ومعسكرات وقواعد حربية للجيش الغازي. هذا الحال ليس حكراً على «سيدي»، إنما هو صورة مصغرة عن لاجئ فلسطيني منكوب.
وهناك وعلى بعد كيلومترات بسيطة أيضاً من «دار سيدي» تقع حقول الغاز التي اكتشفت في تسعينيات القرن الماضي، مقابل شواطئ غزة وعلى امتداد الوطن السليب، وصولاً إلى لبنان. حقول انعقد عليها الأمل الموعود بالانتعاش الاقتصادي المطلوب للشعب الفلسطيني، بما يشمل إنعاش الضفة الغربية وانتشال قطاع غزة المكلوم من الفقر والاكتظاظ ومعدلات البطالة العالية، وليبدأ أبو عمار رحلته الشهيرة ببناء سنغافورة التي لطالما حدثنا عنها، بينما يبدأ الاقتصاد الفلسطيني رحلته نحو الانعتاق من التبعية الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي، وطلاقه المنشود من عوزه الدائم لأموال المانحين، وصولاً إلى التحرير والدولة.
وفي المقابل ذهب لبنان نحو ترسيم حدوده مع دولة الاحتلال، التي لا يعترف بها لكنه شاء أن يحدد مساحته السيادية، وصولاً إلى استخراج غازه وتحقيق ما يشاء من رفعة ونمو، ومعه ذهبت الأحزاب والقوى اللبنانية على اختلافها لتتابع الملف على طريقتها، إلى أن اقتربت الأمور من لحظة توقيع اتفاق ترعاه الأمم المتحدة بين لبنان ودولة الاحتلال، عندما سمعنا تصريحاً صادراً عن الأمين العام لحزب الله، مهدداً الاحتلال بأن العيون والصواريخ على حقل الغاز المعروف بحقل كاريش، مذكراً الجميع بخيارين لا ثالث لهما، إما الترسيم وإما الحرب، هذا التصريح قابلته تصريحات أخرى ساقها الساسة اللبنانيون. الغاز الفلسطيني بالمقابل، الذي ترى شعلته التي أطلقها الزعيم ياسر عرفات مضاءة قبالة الشاطئ القريب لدار سيدي، يبقى كما الشعب الفلسطيني برمته مختطفاً من قبل الاحتلال. الغاز الفلسطيني الذي كان من المفترض أن ينشل الاقتصاد الفلسطيني من العوز، ويأخذ به إلى مساحات الرخاء يبقى أسيراً لرغبات الاحتلال. إذن لا لبنان ولا فلسطين تمكنتا وحتى تاريخه من استخراج الغاز الموعود، فلا كاريش ولا غزة مارين بحقليه الأول والثاني، رأيا النور وهو ما يطرح أسئلة قديمة جديدة ويدفع بها إلى حيز الحياة من جديد. هل هندس الاحتلال الصهيوني وأدواته الانقسام الفلسطيني حتى يؤخر استخراج الغاز واستفادة فلسطين منه في نموها على طريق بلورة دولتها المستقلة، كاملة السيادة الجغرافية والاقتصادية والمالية؟ وهل اختلق الحروب المتعاقبة على غزة، حتى يعزز هذا الاختطاف وهذا التأخير؟ وهل يمارس عملية السرقة الصامتة لهذا الغاز، من دون أن يعلم أحد، أو يعرف عن ما يجري في قاع البحر؟ وهل يمتص الاحتلال دم الفلسطيني وغازه إلى يوم ينفذ فيه المخزون فيعود للحديث بعدها عن السلام المزعوم، وفق التسوية السياسية التي يريد، بعد أن يكون المكون الأساس للاقتصاد الفلسطيني الحر قد ذهب مخزونه أدراج الرياح، على قاعدة أن جاراً ضعيفاً تابعاً هو أجدى من جار قوي لديه ملاءته المالية والسيادية؟ وهل دفعت إسرائيل وأدواتها لبنان نحو الهاوية، بحروب متعاقبة ومشيخات طائفية متناحرة، تحقق استدامة نزاعاته وآهاته؟ وهل سيق لبنان بنفاياته وشح كهربائه ومرفئه المفجور نحو الهاوية الأزلية، لينشغل بهمومه ويبتعد عن التفكير بكاريش وما بعد كاريش؟
الجواب ليس فقط على باب دار سيدي ولا في بيروت فحسب، بل عند العالم المجنون الذي تذكرنا بعض حكوماتها كل يوم بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها! وأن إسرائيل إنما هي واحة الديمقراطية الوحيدة المزعومة في الشرق الأوسط! وأن إسرائيل هي واحة الازدهار التكنولوجي والتقني، كما يروج ذاك العالم. خوف البعض من إسرائيل جعلهم يطبلون ويصفقون لها وصولاً لعواصم التطبيع، خاصة من اختار التطبيع الفاقع والمليء بمحاولة تحبيط الفلسطيني، عبر سلسلة واهية من النشاطات المختلقة والطاعنة في المغالاة والتضخيم. أياً كانت الظروف فإن قضايا الصراع لن تحل حتماً عند عتبات دار سيدي، وإنما ما بعد.. بعد تلك الدار وما بعد.. بعد غزة مرين وكاريش، وتحديداً على طاولة العالم النائم الظالم ، الذي يستطيع أن يفعل إن أراد!

s‭.‬saidam@gmail‭.‬com

الحقوق محفوظة المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا © 2023

رضوانيات الحلقة الـ56…… لماذا...

كتب: رئيس الاتحاد العام للاعلاميين العرب...الكاتب والاديب العربي الفلسطيني الاعلامي د.رضوان عبد الله قصص حكايات الحمير...

رضوانيات الحلقة الـ56…… لماذا تركت الحمار وحيدا….!!!

كتب: رئيس الاتحاد العام للاعلاميين العرب...الكاتب والاديب العربي الفلسطيني الاعلامي د.رضوان عبد الله قصص حكايات الحمير مع الناس كثيرة ؛ ان كانت مع عامة الناس...

أبرز المستجدات والانتهاكات في القدس 6-2-2023

📄النشرة المسائية لمحافظة القدس حول "أبرز المستجدات والانتهاكات" في الساحة المقدسية: _________________________ النشرة: رقم (726) اليوم: الإثنين، 6 شباط 2023 _________________________ ➖➖➖➖➖➖ ♦️ اقتحامات المسجد الأقصى المُبارك: - اقتحم (217) مستوطنًا...

علّموا أولادكم الإيكاب ومقاومة الاحتلال!

كتب: رمزي عودة تأثّر الكثير من الناس بقصة الفتاة اليهودية الألمانية "آن فرانك" وعائلتها التي طاردتهم القوات النازية واعتقلتهم من مخبئهم السري في أمستردام، إلى...

عميان البصيرة!

كتب: موفّق مطر ماذا يقصد الذين يتخذون أخبار وسائل إعلام منظومة الاحتلال الفاشية إسرائيل مرتكزًا لمواقفهم من القيادة الفلسطينية ومن منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة السلطة...

يعني التعليق على هذه المشاركة أنك توافق على شروط الخدمة . هذه اتفاقية مكتوبة يمكن سحبها عندما تعبر عن موافقتك على التفاعل مع أي جزء من هذا الموقع.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

السفير مصطفى: وفاة عائلة غزِية...

أعلن سفير دولة فلسطين لدى تركيا فائد مصطفى، عن وفاة عبد الكريم أبو جلهوم وعائلته المكونة من 6 افراد...

بتوجيهات من الرئيس: رئيس الوزراء...

بتوجيهات من رئيس دولة فلسطين محمود عباس، أوعز رئيس الوزراء محمد اشتية بإرسال فرق من الدفاع المدني وطواقم طبية،...

ارتفاع عدد الضحايا من أبناء...

أعلن سفير دولة فلسطين لدى سوريا سمير الرفاعي، ارتفاع عدد الضحايا من أبناء شعبنا في سوريا جراء الزلزال إلى...

مجلس الوزراء يعتمد خطة تطوير...

اعتمد مجلس الوزراء خطة تطوير وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بما يشمل الجوانب القانونية والإدارية والمالية، ويضمن استدامة عمليات الوزارة،...
spot_img

هل تريد إسرائيل السلام مع الفلسطينيين؟

كتب: نبيل فهمي وزير الخارجية المصري السابق انشغل الشرق الأوسط بقضايا ونزاعات مختلفة في الفترة الأخيرة وشهد تراشقات عسكرية وعنفاً وسُلطت الأضواء على قضايا عدة،...

ثقافة القوة… ثقافة ضعف ليس إلا!

كتب: عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" د. صبري صيدم مع نشر هذه الكلمات سيكون قد مرّ على مذبحة مخيم جنين الأخيرة أسبوع تقريباً، ومعها سيكون...

هل التزمت إسرائيل برؤية بايدن للتسوية سيد بلينكن؟

كتب: رمزي عودة الجميع يتذكر تصريحات السيد "بلينكن" وزير الخارجية الأميركي في فندق أومني شورهام في العاصمة الأميركية واشنطن في مؤتمر "جي ستريت" الذي عقد...

المواجهة وتخليد شهداء جنين يكون بإعلان 2023 عام فلسطين فورا

كتب: الكاتب والمحلل السياسي: رامي الشاعر قبل أيام من اليوم العالمي لإحياء ذكرى الهولوكوست (27 يناير)، يبدو أن قوات الاحتلال قررت أن تحتفل به على...

معالي «السيئ» الوزير! كتب عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” د. صبري صيدم

أن تعّين شخصاً مداناً في حكومة ما، فإن خطوة كهذه إنما تضع مصداقية الحكومة تلك في دائرة الانتقاد المباشر. وأن تعين أربعة وزراء مدانين...

القدس وأهلها يستحقون منا الكثير

كتب: أبو شريف رباح بعد قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإصدر قرار جمع التبرعات من مشتركي خدمات الاتصالات في فلسطين، بحيث تتم المساهمة بشيكل واحد،...
المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!