قراءة في كتاب “حازم أبو شنب من أشبال الثورة إلى الدبلوماسية الفلسطينية”

حازم أبو شنب .. شمسك لن تغيب

الكاتب والباحث/ ناهـض زقـوت

إن العطاء الوطني يدوم .. والخطوات تبقى محفورة في الأرض، ما دمت صادقاً في عطائك وخطواتك، تبتغي فيها حرية شعبك، واستقلال وطنك. كنت وعشت نظيف اليد واللسان، محباً للجميع، فأحبوك، لا أتذكر أحداً ذمك، فالكل كان يحترم رأيك ومواقفك ومبادئك، فقد كانوا يدركون أن صوتك لم يصرخ إلا بالحق، ولم تكتب إلا من أجل الحق، ورحلت وفلسطين على لسانك مدافعاً عن الحق الوطني للقضية الفلسطينية. صديقي حازم أبو شنب شمسك لن تغيب.
فجعنا في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 2020 برحيل الصديق الكاتب السياسي والسفير الدكتور حازم أبو شنب، كانت صدمة لكل محبيه وأصدقائه وزملائه في العمل الإعلامي والسياسي. من القاهرة أهداني والده الصديق الدكتور حسين أبو شنب كتاب تذكاري عن الراحل (حازم أبو شنب من أشبال الثورة إلى الدبلوماسية الفلسطينية 1968-2020) من إعداد الدكتور حسين أبو شنب واللواء عرابي كلوب، ومن منشورات المكتب العربي للمعارف بالقاهرة 2021.
كتاب تذكاري يسجل مآثر الراحل العزيز حازم أبو شنب التي سجلها محبوه وأصدقائه، وكل من عرفه عن قرب، وأحب فيه الخصال النضالية والوطنية الصلبة، فهو من الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض”.
حازم أحبه الجميع لمواقفه الصلبة الصادقة، فقد كان لديه شجاعة في الرأي والاصرار على الحق، وقوة في الاقناع والتأثير بحجة الدليل، والايمان بعدالة القضية الفلسطينية وشعبها، فكان دائم التأكيد على الحق الفلسطيني والثوابت الوطنية في كل المحافل والمنابر والندوات واللقاءات التي يشارك فيها، فيقف مدافعاً بكل قوة عن حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والدولة المستقلة.
عاش حازم في بيئة نضالية ووطنية واكبت مسيرة الثورة الفلسطينية وقضيتها، فعمته لطيفة أبو شنب من شهداء مايو 1948، وعمه سعيد أبو شنب من شهداء العدوان الاسرائيلي في فبراير 1955، ووالده الدكتور حسين أبو شنب (حفظه الله) تقلد مناصب عدة سياسية وأكاديمية، فكان مسؤولاً في إذاعة صوت فلسطين بالقاهرة، ومسؤولاً عن الإعلام الفلسطيني في الكويت، ومستشاراً إعلامية بسفارة فلسطين بالقاهرة. في هذه الأجواء المفعمة بالنضال الوطني والسياسي تربى حازم، وانتمى إلى حركة فتح منذ أن كان شبلاً في مؤسسة الاشبال بقيادة المرحوم أبو الوليد صائب، وتبلور الانتماء التنظيمي في المدرسة الثانوية بالكويت، ومارس العمل النقابي والطلابي في جامعة القاهرة، وتواصل في نشاطاته الاعلامية والفكرية والسياسية حتى العودة إلى الوطن ليشارك في بناء المؤسسات الوطنية الاعلامية.
يتوزع الكتاب على ثلاثة فصول، وملحق صور تعبر عن نشاطات حازم، في الفصل الأول مسيرة حياته، وكتابات كتبها قادة وأصدقاء ومعارف للدكتور حازم بعد رحيله من فلسطين ومن العالم العربي، نحو (32) شخصية كتبوا عن مآثره وسجاله ومواقفه السياسية والاعلامية. قال فيه الدكتور زياد أبو عمرو عضو اللجنة التنفيذية ونائب رئيس الوزراء: “كان لحازم شخصية قوية تتمتع بقدرة فكرية ومرجعية صلبة، كما تميز في فصاحته اللغوية، واطلالته الاعلامية، وحضوره اللغوي المميز الذي دائما ما كان يجذب الجماهير الاعلامية، وكذلك الجماهير المباشرة على الأرض، فقد كان له تأثير مباشر وملموس في الرأي العام، وذلك لامتلاكه العقلية السياسية القادرة على التحليل والاستنتاج”. وكتب عنه اللواء إبراهيم أبو النجا محافظ محافظة غزة قائلاً: “إنه استحوذ على عقول الكثيرين ممن كانوا يتابعون القضية الفلسطينية سواء كانوا فلسطينيين أو باحثين أو دارسين لأنه أخذ عن والده مبدأ “اقرأ كل شيء” مما شكل لديه مخزوناً علمياً واسعاً”. وكتب عنه الباحث بكر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح سابقاً قائلاً: “أن يستطيع شخص واحد جمع العديد من الأصدقاء والأنصار والمريدين المباشرين حوله، فهذه صفة شعبية وجماهيرية قد لا تتوفر لكثير من الشخصيات السياسية أو القيادية، فما بالك إن كانت ذات الشخصية تتمتع بميزات الظهور الاعلامي المتواتر واللامع”.
وفي الفصل الثاني التعازي التي قدمت لذويه وعائلة تعدد مناقبه وخصاله الحميدة ومكانته الاعلامية والسياسية والنضالية. فقال فيه الرئيس محمود عباس: “فقدنا أخاً عزيزاً ومناضلاً ملتزماً بقضية شعبه، ومدافعاً صلباً عنها .. وهو ابني وابن الحركة مخلصاً لانتمائه”. وقال فيه رئيس الوزراء د. محمد اشتيه: معرباً عن تقديره واحترامه لدور المرحوم في مسيرة البناء الوطني سواء في الإعلام أو الحركة السياسية والدبلوماسية والانتماء الوطني، مشيداً بدوره في تعميق فكرة الانتماء والتواصل والقدرة على التأثير والانتاج فهو ابن هذه الثورة”.
وفي الفصل الثالث كلمات العائلة والده ووالدته وأخوته وزوجته وأبنائه، التي تعبر عن حزنها على الفقيد الذي رحل مبكراً تاركاً فراغاً كبيراً في حياتهم، كتب والده الدكتور حسين أبو شنب قائلاً: “وفي قراءة لما قاله وكتبه الأحبة والأصدقاء والقيادات الوطنية الفلسطينية والعربية كنت معهم وبينهم شجرة وارفة معطاءة، وهذا ما يجعلك آمناً مطمئناً”. وقالت والدته بكل حزن وأسى: “رحل حازم الإنسان الابن البار والزوج المتفاني بحب زوجته وأولاده، وقبل هذا كله وطنه الغالي الذي عانى الكثير في تفانيه لخدمته”.
وقد أجلت الكتابة عن مسيرة حياته إلى الختام لكي نكتب بتوسع عن سيرته كما جاءت في الكتاب، لكي تبقى هذه السيرة حاضرة في أذهان الأجيال القادمة لكي تتعرف على شخصية وطنية عاشت على هذه الأرض، وقدمت من وقتها وجهدها وحياتها ولم تبخل من أجل رفعة الوطن وحقوقه.
حازم حسين عبد الحميد أبو شنب من مواليد القاهرة في عام 1968م، نشأ وتعلم في مدارس الكويت حيث كان والده مسؤولاً عن الاعلام الفلسطيني في الكويت. في سن التاسعة من عمره التحق بأشبال الثورة الفلسطينية لحركة فتح في سوريا والجزائر، والتحق بتنظيم حركة فتح وهو في مقاعد الدراسة بثانوية الكويت، وكان رئيس اتحاد الطلاب الفلسطينيين في المدارس الثانوية بالكويت. حصل على بكالوريوس أدب انجليزي من جامعة عين شمس، وعلى دبلوم ترجمة من الجامعة الاميركية بالقاهرة، وأكمل دراسته وحصل على الماجستير والدكتوراه في الإعلام. عمل قبل عودته إلى غزة مدرساً للغة الانجليزية والترجمة.
عاد إلى قطاع غزة بعد قيام السلطة الفلسطينية، وعمل في عام 1997 في لجنة الانتخابات المركزية، ثم عمل في ديوان الموظفين، وفي وكالة وفا، ومكتب الرئيس. وفي عام 2003 عمل في جامعة الازهر مديرا للعلاقات العامة ومحاضرا للترجمة الإعلامية، كما عمل محاضراً في كلية التربية بجامعة الأقصى.
نشط في مجال الإعلام الفلسطيني والعربي، وعين في عام 2007 ناطقاً باسم حركة فتح، وقدم لتلفزيون فلسطين متطوعاً لمدة عامين برنامج (أنا والأخر) قراءة وتحليل سياسي في الصحافة الاسرائيلية، وكذلك برنامجا لإذاعة الحرية بغزة، وتواصل متحدثاً مع العديد من الاذاعات في غزة والضفة، وشارك في الحديث عبر العديد من الفضائيات العربية والأجنبية.
أسس مركز دراسات وأبحاث الوطن الذي أنتج العديد من الدراسات والبحوث السياسية. وكان مشاركاً فاعلاً في الندوة السياسية الأسبوعية التي ينظمها مركز الدراسات الذي يشرف عليه الدكتور زياد أبو عمرو. كان عضواً فاعلاً في نقابة الصحفيين الفلسطينيين، وكتب في الصحافة المحلية والعربية الكثير من المقالات السياسية. شارك في العديد من المؤتمرات الدولية والعربية والافريقية، وفي مؤتمرات علمية في الجامعات الفلسطينية، كما شارك في العشرات من الندوات واللقاءات السياسية والإعلامية في الوطن وقي القاهرة.
عين في أواخر عام 2008 ناطقاً باسم الرئاسة الفلسطينية، وفي عام 2009 انتخب عضواً في المجلس الثوري لحركة فتح بالمؤتمر السادس للحركة الذي عقد في مدينة بيت لحم. وفي نفس العام عين سفيراً لدولة فلسطين في الباكستان. كان عضواً في المؤتمر السابع للحركة الذي عقد في مدينة رام الله عام 2016م، وأصبح عضواً في المجلس الاستشاري للحركة.
أصيب الدكتور حازم أبو شنب بجلطتين وسرطان في القولون حيث عولج في مستشفى فلسطين، ولبى نداء ربه صباح يوم الاربعاء 21/10/2020، وورى الثرى في مثواه الأخير بمقابر عائلة والدته بضواحي القاهرة بحضور حشد كبير من المشيعين وكادر سفارة دولة فلسطين وإقليم حركة فتح بالقاهرة وشخصيات اعتبارية عديدة.
رحم الله الدكتور حازم أبو شنب، وتبقى ذكراه حية في قلوب كل من عرفه وأحبه، وهذا الكتاب التذكاري يحمل ذكراه، وسجلاً خالداً للأجيال القادمة عن مناضل وطني كبير، ويعبر بما احتواه عن محبة الناس والجماهير للراحل حازم، ويكشف عن الدور الإعلامي والوطني الذي قام به حازم في عيون الآخرين، الذين كتبوا صدقاً عن هذه القامة العلمية والإعلامية والدبلوماسية، التي أعطت الكثير في محطات عديدة، ولحركة فتح أن تفتخر بواحد من أبنائها الذي كان مثال المبادر والمثابر والممتلئ بالنشاط والطاقة والحيوية.

شاهد أيضاً

انا لاجئ اذا انا منكوب ،مقتطفات من “كتاب اللاجئون الفلسطينيون ، اعدادهم ،اماكن تواجدهم ، حقوقهم – النسخة الثانية 2018 “

بقلم : ر ضوان عبد الله كانت عملية قاسية صعبة، عندما وجد الشعب الفلسطيني نفسه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − 7 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا